رقية المظاليم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكما أن للحب طعماً لا يعرفه إلا من جرّبه، فإن للظلم مرارةً لا يعرفها إلا من تجرَّعها، ويكاد الإنسان إذا استغرقه النظر أحياناً لبعض ما يقع في هذه الحياة من مظالم أن تمرض روحه من هذه الظلمات-نسأل الله العافية-، ويشعر حينها بعمق الجحيم الروحي الذي هوى فيه كثير من الفلاسفة حين خاضوا في مسألة القضاء والقدر وهم محرومون من نور الوحي، ويكتشف كلما أبْحَرَ في الحياة أن الانحطاط لا قاع له، وأنه مهما قرأ في أدب الرعب والمعاناة فإن في واقع الحياة صوراً لم تصل إليها مخيّلات هؤلاء الأدباء قط، إن الشياطين ليسوا محصورين فقط في جنس الجن، بل هم أيضا في الإنس كما حكى القرآن، ولما كان الإيمان ترياقاً للأحزان، فلقد صنعت لنفسي ولإخواني المؤمنين والمظلومين هذا الترياق عسى الله أن ينفعنا به، وإني لأرجو الله لكل من قرأه فأحس عافية من روحه بقراءته أن يقف لي يوم القيامة ملوِّحاً لي به أن (قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا)، وجعلته على فقرات، كل فقرة تحتوي على فكرة، وكل فكرة كافية في حد ذاتها- لو غصنا فيها واستيقنا بها- أن تكون بلسما بمفردها لمشاعرنا، فهلم بنا:

أولاً: إياك أيها المظلوم أن تحصر عقوبة الظالم أو نصرة الله لك في صورة معينة تتوقعها دون سواها، كصدور حكم قضائي بحقه أو انفضاحه بين الناس أو موته مثلاً، فهذا ضيق في فهم نصوص نصرة المظلوم! لأنها لم تحدد وسيلة معينة للعقاب، إن ميدان الحياة واسع، ولئن كانت عقوباتنا كبشر تنحصر في الحبس والغرامة ونحوها، فالقدير سبحانه لا يحد قدرته حدود، وعقوبات الله وطرق انتقامه أشمل وأكثر من أن نحصرها في جانب واحد أو اثنين، والله أبصر بالظالم منك، وقد يكون يدبر له عقابا أشد وأنكى من العقوبة التي تتمناها، (ومن يدبر الأمر فسيقولون الله)، وفوق ذلك أيها المظلوم، فإن للذنوب عقوبات لصيقة بها لا تتخلف عنها، فإذا رأيت أن الله أنزلها بمن ظلمك فحسبك بها، فإذا رأيت ظالمك قاسي القلب متحجر الفؤاد فحسبك بها من عقوبة، ونبينا يقول: من لا يرَحم لا يُرحم، وإذا وجدته منفوخا بالكبر فحسبك بها من عقوبة، ونبينا يقول: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، إلى غير ذلك من العقوبات العاجلة، فالخلاصة: (لا تحصر العقوبة).

ثانياً: ثم افرض أيها المظلوم أنه قد مات ولم تنزل به عقوبة مادية ظاهرة- فيما ترى- فافرح بذلك، فهذا يعني أنه قد بلغ درجة قصوى من الفجور والظلم اقتضت من الله أن يمسك عن عقوبته بأي شيء قد يقلل من عقابه الأخروي، فادَّخَرَه له كاملا يوم القيامة، وهذا ليس كلامي، بل كلام الحبيب صلى الله عليه وسلم، إذ قال وهو يحكي قانون الله في عقاب عباده: “إن الله إذا أراد بعبده الخير، عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة”، ولتعلم أن شيخ النفاق في العهد النبوي ابن أُبي ابن سلول عاش سالما معافى ممتعا بعمره لأنه كان يحيك قاذوراته في الخفاء، ولم تثبت عليه عقوبة رسمية، حتى حد القذف الذي أقيم على بعض المؤمنين نجا هو منه، إلى أن مات ميتة طبيعية، بخلاف عدد من زعماء الكفر الذين فتك الله بهم في حياته صلى الله عليه وسلم، إن الله قد خصص المنافقين بالدرك الأسفل من النار، النار التي استغرق الحجر سبعين عاما يهوي في أرجائها حتى وصل إلى القاع كما ورد في السنة، هؤلاء خصصهم بالله بالدرك الأسفل من جهنم في مقابل أنهم نجوا في هذه الدنيا من العقوبة بما أظهروه من الإيمان والصلاح، فالخلاصة: (افقه قانون العقوبات الإلهي).

ثالثاً: إن لك أيها المظلوم في الحبيب صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فقد أخبره الله عز وجل أنه ليس من الضرورة أن يشاهد بعينيه عقوبة أعدائه، مع أنه أكرم الخلق عليه، لأن الشأن كل الشأن إنما هو في العذاب الأخروي، أما الدنيا فأمرها حقير عند الله، ولولا افتتان الناس على الكفر لرماها الله للكفار حتى يكون لمن (يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون)، ولقد قال الله له (فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون) فأمره بالصبر على الأذى لأن وعده حق، وسلّاه عن أعدائه بأن مرجعهم إليه فقال (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) هل تعلم ما هي شدة هذه الكلمة (فإلينا مرجعهم) ألا فلتعلم أن بها من الوعيد ما ليس في كل أوصاف النار مجتمعة! إنها أبلغ أثراً لمن يتأملها من ماء يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء! لأنها جاءت في معرض وعيد وشفاء لغيظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنها صادرة من رب شديد العقاب، قوي وعزيز ذي انتقام، فالخلاصة: (تأسوا بالحبيب).

إن (الدنيا ليست دار جزاء خلافا للآخرة) فلا يغرنك يا مظلوم نجاة الجلّاد من الإدانة، فهذا مشهد يتكرر في كل زمان ومكان، وهو مشاهدة الفاسد سادراً في فساده لم تنزل به عقوبة مادية ظاهرة، ألا ترى بعض زعماء العصابات في العالم وكبار شبكات التهريب يتقلبون في أرض الله دون ثبوت أدلة رسمية تدينهم! وهو من أنواع الابتلاءات في الدنيا، لقد أُحرق أصحاب الأخدود عن بكرة أبيهم حتى تفحّموا، ومع ذلك سماهم الله فائزين فقال (ذلك الفوز العظيم) لأنهم ثبتوا على الحق حتى الممات، وقُتل يحي عليه السلام بإيعاز من بغي داعر! واغتيل طائفة من أنبياء إسرائيل على يد أقوامهم! ولقد واسى الله نبيه في تقلب الذين كفروا في البلاد فقال: (متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد)، إنه شيء قليل قليل قليل، فلماذا نتأزم منه! أرأيت أيها المظلوم لو قيل لك: نمهل هذا الظالم يومين، ثم نفضحه ونقتله ونحرقه مثلا! هل ستتأزم بسبب اليومين التي تسبق عقوبته؟ غالبا ستقول لا، إذاً اعتبر هذين اليومين هما الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة، بل قد حكى الله حكمة عجيبة جدا في شأن إمهال بعض الكفار فقال (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)، وما أحوجنا للتفكر في الحكم التي يسوقها الله من أفعاله القدرية في القرآن، ثم ما يغني عن ظالمك بقاؤه في السنوات القليلة المتبقية من عمره وناره تنتظره بمجرد نزول المنية به، “النار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله”، إن قيامة كل إنسان رهينة بموته أيها المظلوم، فلا تتخيل أن انتقام الله لك سيكون منتظرا إلى حلول يوم القيامة، بل هو كائن بمجرد موت الظالم، وما أقصر هذه الحياة لكل الناس عموما، فالخلاصة: (افقه حقيقة الدنيا).

(العقاب يقترب مع كل ثانية تمر) واعلم يا مظلوم أن كل يوم يمر، وكل ساعة تمضي، يقترب فيها ظالمك من عقوبته، ولو أنك تحليت باليقين التام فرأيت بعيني بصيرتك نار الله الموقدة وهي تنتظره لهان عليك الأمر، ولقد واسى الله نبيه في بعض أعداءه فقال: (فلا تعجل عليهم، إنما نعد لهم عدا) أي إن لهم أياما معدودة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون.

(هناك محكمة أخرى، وفضيحة أشد) سيقف المجرم في محكمة أخرى، القاضي فيها هو الله، والشاهد فيها هو الله، محكمة لا حاجة فيها إلى البحث عن أدلة، ولا يستطيع الظالم فيها أن يتلاعب بالقرائن فجوارح الظالم تشهد عليه (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم)، وأرضه تشهد عليه (يومئذ تحدث أخبارها)، والملائكة يشهدون عليه (كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون)، هذا ناهيك عن كونه فعل كل ما قد فعل بمرأى من السميع البصير، الشهيد الرقيب، الحفيظ المحيط، سبحانه، فقط كن على يقين بهذا.

كم في هذه الدنيا من محابيس
Photo by Josh Hild on Pexels.com

رابعاً: أما المواقف المخزية ممن خذلوك أو سكتوا عن الظالم – ولا يبزغ ظالم في الدنيا إلا بوجود جوقة حوله تعينه أو تسكت على ظلمه- فهي من جملة البلاء لك- وأحيانا يكون موقف هؤلاء أشد وقعا على المظلوم من أذى ظالمه-، وهي تعكس مواقف الناس إجمالا في هذه الدنيا من الحق، فمنهم من يمشي مع الحق مادام لا يعارض رغباته الشخصية ومصالحه المادية، فإذا عارضها نبذه، ومنهم الجبان الخوار الذي لا يستطيع أن يقوم بواجبه أمام الظالم، ومنهم المعرِض الأناني الذي لا يهمه سوى نفسه بصرف النظر عن المحق والمبطل و(لا يريد وجع الدماغ)، ومنهم الذي لم يقنع بتخاذله حتى بحث لنفسه عن قناع شرعي يغطي به سوأته ويبرر به تصرفه- وما أبشع هؤلاء المتلاعبين-، ومنهم الذي يساند الظالم خوفا من إتيان الدور عليه وانكشاف ظلمه في قابل الأيام، وقد يوجد فيهم المعذور بينه وبين الله، إلى غير ذلك، والله أعلم بكل واحد منهم وظروفه وأحواله، لكن المهم أن تعلم أن الكل سيرد على الله، وآنذاك سيفتح لكل واحد كتاب (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) كل موقف وكل ردة فعل أبداها أحد تجاه مظلمتك فلها موقف وحساب أمام الحق سبحانه وتعالى، فأي شيء تريد بعد ذلك! ألا فلترقب خذلان الله لهم في أشد أوقاتهم حاجة!، وإن ربا وعدنا في كتابه أن يكون الحساب بمثاقيل الذر- والذر هو هباء الشمس الذي لا يؤبه له- لهو جدير بأن تقر عينا به وتطمئن نفسا بوعده، سيرد الله للمظلوم اعتباره بمثاقيل الذر، فضلا عن الآلام الكبيرة والهموم المضنية التي نزلت به، أتعلم يا مظلوم معنى هذا الكلام! معناه أنهم سيعاقبون على أشياء لم تشعر بها أو لم تلق لها بالا لأنها أذى بحجم الذر، إنه العدل الإلهي يا بني!، وأبشرك أن الذنوب في حق العباد لا يكفي فيها مجرد التوبة إلى الله، بل لا بد فيها من رد الحقوق إلى أهلها، ووالله ثم والله ليوقفنهم الله أمامك يوم القيامة للقصاص! وإليك الأمر وقتها.

خامساً: اعلموا أيها المظاليم أن البلاء في حقيقته هو (نعمة) لمن فقُه في دين الله، لقد مدح الله الصبر في تسعين موضع في كتابه! إن حيازتكم لثناء الله في تسعين آية لهو شرف ورفعة تصغر الدنيا كلها بجواره!، واعلموا أن الله قد يريد للإنسان منزلة في أعالي الجنان، ولا يصل إليها هذا العبد بعمله الشخصي من صلاة وصيام، فيكتب الله له بلاء يوصله به إلى المنزلة التي يريدها له، وأن أهل العافية عندما يردون على الموقف فيشاهدون عظم جائزة المبتلين يتمنون لو قرضت جلودهم بالمقاريض في الدنيا، وكل ذلك قد ورد في السنة، فلا عجب بعد ذلك أن يقول بعض السلف: “ليس بفقيه من لم يَعُدَّ البلاء نعمة”، فالخلاصة: (استشعروا نعمة البلاء).

أخيراً: لا يكونن ما سبق مزهِّدا لك في الدعاء على ظالمك، فالدعاء في ذاته عبادة عظيمة، بل هو لوحده من أبرز لطائف الله وحكمه في ابتلاء عباده، وقد يكون الله عز وجل يريد سماع المزيد من مناجاتك وضراعتك لما حباك به من حبٍ ومنزلة عنده سبحانه، وتنبَّه إلى أن الدعوة قد تكون أجيبت وضُمنت عند الله ولكن لم يشأ الله بتحققها في الخارج بعد، وذلك كما حكى الله عن دعوة موسى وهارون على فرعون حيث قال (قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما) لكن العقاب لم ينزل بفرعون إلا بعد سنين طويلة من هذه الدعوة.

أسأل الله أن يشفي صدر كل مظلوم بأي طريقة من طرق الشفاء، وأنتم أصدقاء متفكر! ما أكثر ما تواسون به أنفسكم في حق الظالمين؟


4 آراء حول “رقية المظاليم

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s