أحزان الثريا

بسم الله، أقبلت على طفلتي الثريا أريد احتضانها وبين أناملها الدقيقة كوب صغير، فاهتز منسكباً بعض ما فيه على فستانها، امتعضت فاتنة أبيها واستاءت من هذا البلل المفاجئ لفستانها الذي لبسته قبل قليل وقد كانت ترى نفسها فيه ملكة جمال الكون…

ثم تحول الاستياء إلى بكاء وعويل وارتجّت الصالة بأحزان الثريا…هذا حزن حقيقي نابع من قلب موجوع…

كنا نواسيها ونحن نداري ابتساماتنا، نواسيها مراعاةً لمشاعرها، ونداري ابتساماتنا لعلمنا بأن الخطب يسير، ولكن الطفلة الصغيرة تعيش في كونها الخاص الذي يتكوَّن فقط منها هي ومن فستانها وألعابها وطعامها و لا شيء غير ذلك، وهو كون يحتل الفستان منه مكانة عظيمة ومشهدا مرموقا بلا شك🤷‍♂️

هي بجواري الآن مستمرة في إعلان أحزانها…

ترفض تناول الإفطار معنا، قد عافت نفسها الطعام و اسودّت الدنيا في وجهها، أراها تستنزف طاقة حزن لا تختلف عما يستنزفنا نحن الكبار حين نواجه أحزاننا، فلعلك لو سألتها أن تقول: ما على وجه البسيطة أبأس مني…

يوما ما ستكبر الثريا- بإذن الله- وتكتشف سخافة الأمر، وتراودها الذكرى فتبتدر فمها  ابتسامة فتغالبها كما غالَبْنا نحن ابتساماتنا اليوم، حين تكتشف أن الكون أوسع بكثير من فستانها الذي تبلل، وكذلك نحن… وهل نحن إلا أطفال كبار!

سنكتشف لاحقاً أن أمراضنا وأحزاننا وصراعاتنا وأموالنا ليست مختلفة كثيراً عن فستان الثريا المبلل، هل سنكتشف ذلك قريبا؟ أم حين يطرِّز الشيب رؤوسنا؟ أم لعله في البرزخ؟ أم حين دخول الجنة بإذن الله؟ الله أعلم، فذلك يختلف باختلاف التجربة الشخصية لكل منا والطريق التي قدّر الله سلوكها للشخص في هذا الكوكب، لكن كلما اكتشفناه مبكِّرا، كانت فرص الهناء في حياتنا أكثر!

حاول أيها المؤمن حين تتجرع مرارة الأحزان أن تُخرِج إدراكك من جسدك الصغير الفاني وتحلّق بعقلك في الأفق، ستتفاجأ حينها كم أنت صغير جداً كنقطة في هذا الكون المذهل المعقد، فكّر في مدى محدودية أحزانك التي تملأ عليك سماءك حين تترك هذا الجسد وقد خبت حرارته، بعد مدة محددة ومحسوبة بدقة وتنتقل إلى سعة الآخرة، حين تخرج من قيود الزمان إلى حرية الأبدية فتنظر إلى ذلك الجسد، والبيت، والوظيفة، والعلاقات، والناس، والمجتمع، كنظرتك الآن إلى مجموعة نمل يسقط لحظُك عليها مصادفة وأنت تسير في الطريق عجِلا…ولن يبقى لك من كل ذلك الركام إلا ما فعلته لوجه الله، ألست ترى هذه البناية العظيمة بجوارك؟ انظر إليها كم ستصبح صغيرة عندما تحلق فوقها بالطائرة!

 ناهيك عن اللحظة التي لن يكون فيها بمقدور عقلك حتى مجرد استحضار تلك الذكريات، وذلك حين تمحو لذة النعيم الكاسحة كل ما تراكم في عقلك من تلكم الذكريات الحزينة تمهيداً لبدء حياتك الحقيقية، وذلك ما أشار إليه الحديث التالي:

يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام: “يؤتى يومَ القيامةِ بأنعَمِ أَهْلِ الدُّنيا منَ الكفّارِ، فيُقالُ: اغمِسوهُ في النّارِ غَمسةً، فيُغمَسُ فيها، ثمَّ يقالُ لَهُ: أي فلانُ هل أصابَكَ نعيمٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا، ما أصابَني نعيمٌ قطُّ، ويؤتى بأشدِّ المؤمنينَ ضرًّا، وبلاءً، فيقالُ: اغمِسوهُ غمسةً في الجنَّةِ، فيُغمَسُ فيها غمسةً، فيقالُ لَهُ: أي فلانُ هل أصابَكَ ضرٌّ قطُّ، أو بلاءٌ، فيقولُ: ما أصابَني قطُّ ضرٌّ، ولا بلاءٌ” أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.

يا ترى من هو أشد المؤمنين ضرا في هذا الحديث! لطالما فكرت فيه، أخاله رجلا شائه الوجه، مبتور الأطراف، مشلول الحركة، عصبي المزاج، لا يحظى باحترام من حوله ولا حبهم، بل يكرهه الناس، وتحتقره البيئة المحيطة، وليس له من مصدر دخل يغنيه، ولا وظيفة تصونه، ربما يعيش في منطقة سكنية لا تصلها الخدمات، لا كهرباء، لا اتصالات، لا شبكة صرف صحي محترمة…وعدّد ما شئت من صور البؤس التي تستطيع أن تتخيلها… هل انتهيت من تخيّلها؟

ثق أن من في الحديث هو أشد بؤسا مما تتصور، ومع ذلك، فليست هي إلا غمسة! فكيف بما بعدها من النعيم؟ وليست هذه دعوة إلى مصادمة طبائعنا البشرية وحرمانها من حقها الطبيعي في الحزن عند وجود أسبابه! وإنما هي دعوة إلى إعطاء كل حزن حجمه اللائق به!

ختاما: ماذا عنكم يا أصدقاء متفكر؟ وهل مرت بكم مواقف شعرتم فيها بمحدودية وصغر أحزانكم كبشر، وأنكم لا تختلفون كثيرا عن الثريا؟

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


8 آراء حول “أحزان الثريا

  1. جزاك الله خيراً على هذه المدونة 🥀
    على الرغم من أن هذه الطفلة الصغيرة الكل يرى بأن حزنها مبالغا فيه إلا حتى الكبار أحزانهم في كثير من أمور دنياهم حزنهم يعتبر حزنا تافها فمتابعي كرة القدم يحزنون عندما يخسر فريقهم،،،
    وللأسف أن الكثير قد يفوته وقت صلاة الفجر ولكنه لايحزن لذلك بذات حزنه في مصائب أمور دنياه،،،
    فهي دعوة لنا للإنتباه وإعطاء الأمور حجمها
    ختاما: أعتذر إن كنت خرجت بعض الشيء عن موضوع المدونة ولكنها خطرت في بالي وأنا أقرأ المدونة

    Liked by 1 person

  2. مواقف الحزن التي يمر بها المرء خلال مسيرته منذ ولادته مرورا بطفولته ومراهقته وشبابه وصولًا إلى نضجه وكماله وتمام عقله حتى كهولته وهلاكه متعددة ولا يمكن حصرها بل سرعان ماينساها في لحظات السعادة والحبور التي يحظى بها بين حين وآخر
    التوقف عند مواقف الحزن كثيرا ربما تكون حالة مرضية تستدعي التدخل
    من الطبيعي جدا أن نحزن وان نفرح أن نبكي ونضحك فتلك هي الطبيعة التي جيل الله الناس عليها
    الحزن الحقيقي عندما يطرأ تحول جذري على حياتك من حياة يملؤها الإيمان بالله إلى حالة من الفراغ والخواء الفكري والعاطفي التي يمكن أن تسبب وتخلف جراحًا لا تندمل

    Liked by 1 person

  3. جميلٌ كجمال أبي الثريا بارك الله فيك وفي ذريتك وفيما تكتب.
    وأود إضافة أمر مهم (مواساة الحزين) مهما كان سبب حزنه في نظرك تافهًا، فكثير مما يستكثره الإنسان من غيره لو وقع عليه لَنال منه!
    فلنواسي الحزين ولو كانت مثل مواساة متفكر لابنته):

    Liked by 1 person

  4. يا لحُزن الثريا العميق ، لو انني رأيت هذا الموقف امامي لرأيت انها تُبالغ قليلًا ولكن بطرحك للموقف بهذه الطريقه شعرتُ بعُمق حزنها ومدى صِغر عالمها الخاص وتذكرت طفولتي كيف كنت احزن لاتفه الامور واراها امورًا تستوجب الحزن والاستياء وكلما كنت اكبر سنه كنت اتذكر السنه التي فاتت وابتسم لمواقفي التي كانت تحزنني والى ان اكملت 20 عامًا والان اتمنى ان اعود لاحزاني وانا طفله فهي لا شيء يُذكر امام ما امر به الان من تحديات ومصاعب ، ولكن تعلمنا الكثير من كل ما مررنا به ، وردًّا على تساؤلك يا متفكر فإن احزاننا متشابهه ولكن الاختلاف في مدى تأثرنا بها وكيفيه تعاملنا معها 🤷🏻‍♀️

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s