7 تفكرات في نار الهمزة

الحمد لله، أما بعد:

فلولا حاجة الإنسان إلى ذكر النار ما كان الله ليملأ القرآن بذكرها، إن في قلب الإنسان شهوات وإن في ميدان الحياة فتنا وصعوبات لا يعينه على مقاومتها إلا تحفيز هذه النار المحرقة، ونحن في زمن الإسلام (الكيوت) اللطيف الذي لا يحب منسوبوه إزعاج الناس بذكر النار والغضب الإلهي، وإنما يميل إلى المسح على رؤوسهم والاكتفاء بذكر الجنة وما فيها من جميل النعيم.

أخي المتفكر، إذا كان الغالب علينا حين نمرُّ بآيات النار أن لا ينبجس في قلوبنا باعث الخوف، فلقد عطّلنا مقصداً عظيماً من مقاصد إنزال القرآن، ألا وهو مقصد النذارة، الذي يذكرنا الله به أسبوعيا كلما قرأنا سورة الكهف، حيث يقول عن الحكمة من إنزال الكتاب الذي لم يجعل له عوجا: (قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه).

ولو تدبر الإنسان لوجد في كل موضع يذكر الله فيه النار ألواناً من التخويف المؤثر في القلب، وفيما يلي استعراض للعذاب الذي توعد الله به فئة حقيرة وضيعة من البشر، وهي التي غاصت في مستنقع همز الناس ولمزهم بأقوالها وأفعالها حتى صار لها ذلك عادة، وضمت إلى ذلك جمع المال وعبادته حتى لكأنها صارت تستمد منه الخلود في الدنيا :

1- فأول ما يطالعنا من العذاب قوله تعالى: (كلا لينبذن في الحطمة)، فأول العذاب هو النبذ، وهو لفظ يشي بالإهانة والإهمال! فكأن المنبوذ ليس إلا حجراً أو خردةً تُلقى، ثم هل جربت الرمي؟، بل هل جربت أن تدفع فتسقط على وجهك، أما والله إنه لمؤلم، فكيف بالنبذ من فوق سطح بناية! فكيف بالنبذ في جهنم!، كيف بالنبذ في جوف هذا المخلوق الذي استغرق الحجر الملقى فيه سبعين خريفاً حتى وصل إلى قعره، كما ورد في السنة، فالله وحده يعلم إذا أُلقي الواحد فيه إلى أي دركة يهوي حتى يستقر به المقام- نسأل الله العافية-.

2- ثم إنه ليس مكانا فارغا يُلقى فيه الهماز، إنها حُطَمَة، على وزن فُعَلَة للمبالغة، تحطم وتكسر كل ما يلقى فيها، إن الإنسان لو تحطمت كفه أو ساقه لملأ صراخه الدنيا من شدة الألم، بل إن سماع صوت تكسر العظم بمفرده ليملأ الإنسان المعافى رعباً! فكيف بدار الحطمة، كيف بدار (يحطم بعضها بعضها) كما ورد في السنة! وانظر إلى اتحاد الصيغة الصرفية للعذاب (حُطَمة) مع الصيغة الصرفية لصاحب الذنب، فهو (هُمَزة لُمَزة) أي عادته همز الناس ولمزهم، وتخيل هذا الصنف من الناس وهو يقرأ هذه الآيات التي تخاطبه بوصفه! اللهم اعف عنا.

3- ثم يعود السياق قائلا: (وما أدراك ما الحطمة) عبارة تهديد وتخويف، ولكن مِنْ مَنْ؟ من الله، استحضر من يخاطبك فلن تلبث أن تتزلزل أركانك وتتضعضع نفسك أيها العبد، ومثل هذه الخطابات في القرآن تؤثر في القاريء بقدر ما يحمل لله عز وجل في نفسه من تعظيم، إن مجرد استحضار عظمة المخاطِب وحقيقة كون هذه الجملة صادرة من العظيم الجبار سبحانه لكفيل بتقليب قلب الإنسان في كل الاتجاهات.

4- (نار الله الموقدة) إنها نار الله، فلو جاء التعبير بأنها نار موقدة لكفى، لكن الله أضافها إلى نفسه، وإضافة النار إلى الذات الإلهية تكسبها قدراً من التهويل والتفخيم، فالإضافة تكتسب معناها بحسب المضاف إليه، ففرق بين قولك: سيف الصبي، وسيف الرجل، وسيف المحارب، كما هو معلوم من أغراض الإضافة في علم البلاغة.

5- ثم وصفها ب( الموقدة) أي الاشتعال والتسعُّر، فهي ليست ناراً خابية بل لا تزال تتلهَّب.

6- (التي تطلع على الأفئدة ) القلوب التي هي مواضع الخواطر، والتأويلات الفاسدة، والشهوات الزائلة، تشرف عليها النار وتنفذ إليها فتحرقها، وإذا كان ألم النار في دنيانا بالغا على الجسد الخارجي للإنسان، وهو محمي بهذا الجلد، فكيف بهذه المضغة الصغيرة الضعيفة اللينة!

7- (إنها عليهم مؤصدة) إنه الإيصاد، ورعب الأماكن المغلقة، واليأس والنسيان، فالإغلاق تعذيب في حد ذاته ولو كان في قصر!، إن أهل السجون في الدنيا ليعانون أشد المعاناة بسبب حبسهم ولو عوملوا أحسن معاملة وذلك لمجرد الإغلاق عليهم وحبسهم في مكان واحد، فكيف بالحبس في مكان مشتعل، فكيف بالحبس في نار جهنم.

8- (في عمد ممددة) تحتمل عدة معان، بسبب تعدد الأوجه الإعرابية فيها ومعاني حرف الجر (في)، لكنها طريقة أو نوع من العذاب، والله أعلم بصفته.

اللهم أجرنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وأحبابنا من عذاب جهنم، آمين.


5 آراء حول “7 تفكرات في نار الهمزة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s