متحف الفن الدوستويفسكي

الحمد لله، أما بعد:

فلقد أخذت على نفسي- عندما أردت إنشاء هذه المدونة- ألا أتقيد فيها بنوع معين من المحتوى، بل تكون انعكاسا حُرَّا لشخصيتي وأفكاري، ويبدو أن الوقت قد حان لأثبت لنفسي جديتي في الالتزام ببنود هذه الاتفاقية! لا سيما أن أسبوعي المنصرم كان حافلا لدرجة أن قريحة الكاتب تصر على التمتع بإجازة حاليا وعلى عدم إعطائي أي محتوى يمكن تدوينه، لذا فقد قررت أن أعرض لكم بعض اقتباساتي من روائع دوستويفسكي، أديبي المفضل من الأدباء العالميين، وهي من مجموعة مختاراتي الخاصة، وليست منقولة من الاقتباسات الشائعة عنه في مواقع الانترنت، ليس بدعا من القول هاهنا أن أذكِّر أن المختارات دائما ما تكون وليدة الذوق الشخصي، وبالتالي فلستم مضطرين يا أصدقاء متفكر إلى أن تطلقوا صيحات الانبهار لما سيتم إيراده، بل لكم أن تستسخفوا بعضها، وإن كنت أستحسن التعليق- ممن راقه شيء منها- لكي أعرف هل أجعلها سلسلة تدوينات أم تكون الأولى والأخيرة، وأذكِّر أيضا أن كل هذه النقولات إنما هي جارية على ألسنة الشخصيات وفي سياقات معينة من الروايات، وليست أقوالا يطلقها دوستويفسكي بصفته الحقيقية، أظنُّ أن قراءة هذه الاقتباسات وسط الزخم والأحداث والسياق الذي وردت فيه أشد عمقا وإمتاعا من اقتطافها وتجريدها، لكن ليس كل الناس يحظى بمزاج رائق للقراءة لهذا الرجل بالذات، والآن حان وقت الكشف عن هذه التحف مع شيء من التحشية عليها:

الاقتباس الأول: (يكفي أن يشعر الأبله أنه أبله حتى لا يكون أبله!)

إن معرفة الإنسان نفسه إنجاز عظيم!، ومطلب ناااااادر الحصول!، عظيم لدرجة أن الإنسان الأبله إذا استطاع تحقيقه فإن ذلك كاف عند دوستويفسكي لإزالة وصف البلاهة عنه، ولا ألومه في ذلك، لأن أرتالا كثيرة من بني الإنسان تموت ولمّا تعرف بعدُ نفسها، وكثير من مشاكل الإنسان مع نفسه ومشاكل الناس مع بعضهم سببها إغفال هذه القضية، وعني شخصيا فلقد سقطت فريسة اكتئاب حاد عدة سنوات لأسباب منها أني كنت مصابا بداء المثالية بشكل فظيع مع ظني أنه علو الهمة الممدوح شرعا، إلى أن رأيت طبيبا نفسيا يتكلم عنه كمشكلة مصنفة في علم النفس (Perfectionism) ولها أبحاث ومؤتمرات! وترتب على معرفتي بوجود صفة المثالية أو الكمالية عندي تغيرات كبيرة ومهمة في عدة جوانب من حياتي، وما أحسن ما قاله بعض السلف: (من عرف نفسه استراح)، ويمكن أن أزيد عليها: (وأراح!) إن معرفتك بطبيعتك الشخصية وما يسهل عليها وما يعسر، وما تستمتع به وما لا تستمتع، معرفةً حقيقيةً مطابقةً لواقع الأمر، لهو اكتشاف عظيم يترتب عليه سلاسل من القرارات في شتى جوانب حياتك، مثل مستقبلك الوظيفي، ومشروع عمرك، وشريكة حياتك، وإدارة علاقاتك…إلخ، الخلاصة أني أرفع العقال لهذه الجملة التي تأسر العقل.

الاقتباس الثاني: (…بل لأن الإنسان يمكن أن يعيش عشر سنين في سنة!)

وهذه نفيسة أخرى، ذلك أن الزمان وإن كان هو عبارة عن وحدات متساوية في ذاتها من حيث الكم (أيام وساعات ودقائق…) إلا أنه قد لا يكون كذلك في حق كل واحد منا، فقد تتكثف الأحداث والخواطر في بعض أيامك حتى لتشعر عند وصولك إلى نهاية اليوم كأنه أطول بكثير من أي يكون مجرد 24 ساعة فقط، وقد تمر عليك بعض الأيام والأوقات مرورا سريعا خاطفا لا تكاد أن تلتقط فيه أنفاسك! ثم إن الأحداث والتجارب التي تمر بنا نختلف في التعامل معها اختلافا واضحا، فقد يخرج إنسان من تجربة الزواج بفوائد تضيف لعمره الفعلي عدة سنوات، بينما لا يخرج منها غيره بفائدة تذكر، وهكذا، ولمفهوم البركة ارتباط وثيق بما سبق، ولذلك فإني أنصح نفسي وإخواني المتفكرين الجادين بعدم التركيز على استغلال جميع الوقت من الناحية الكمية لأنه شبه مستحيل، وإنما يكون التركيز على الدخول في مشاريع مركزة وتجارب ثرية وإخلاص التوكل على الله والافتقار إليه ليكون يوم الواحد منا كأسبوع غيره، من حيث الأجر عند الله والانتفاع.

الاقتباس الثالث: ( آجلايا: هل يمكن أن يكون صحيحا أنك لا تعرف كيف تحشو مسدسا؟ ميشكين: بل أعرف الطريقة لكنني لم أحاول أن أمارسها بنفسي. آجلايا:معنى هذا إنك لا تعرف! فهذه عملية تقتضي ممارسة عملية)

هذا الحوار الطريف يبعث في نفسي الضحك كلما قرأته 🤣، لا سيما في زماننا الحالي، ذلك أن الانفجار المعرفي قد أتاح للناس الاطلاع على كثير من الأمور عبر الانترنت، وهذا الاطلاع يوهمهم أحيانا بأنهم صاروا عارفين بهذه الأمور، إن قراءة عشرة كتب في أصول الفقه لا تعني أنك صرت أصوليا لأنه علم يقوم على الممارسة والتطبيق، وقراءة عشرة كتب في التجويد لا تعني أنك صرت قارئا مجوِّدا للقرآن، وقراءة عشرة كتب في النحو لا تعني أنك صرت فصيح اللسان مستقيم المنطق، وهكذا مع بقية التخصصات التي تقوم على ساقي المعرفة والممارسة، قد يحضر إنسان كمية لا نهائية من الدورات والبرامج في التحقيق الجنائي لكنه يشعر أنه حمار ببدلة عند النزول إلى مسرح جريمة حقيقي، نعم لا شك أن المعرفة النظرية مهمة ولها قدرها، وهي جميلة أيضا للتزين بها أمام العوام والظهور بمظهر المثقف (اللي يفهم كل حاجة)، ولكن انتبه أن تعدو قدرك حتى لا تسيء لنفسك لا سيما في أعين الخبراء والمتخصصين، وفي الذاكرة مواقف كثيرة عاينتها في الحياة تبين الفرق بين الخبير الممارس للشيء وبين العاري عن أي ممارسة له، لعلي أسردها في تدوينة أخرى إن شاء الله.

الاقتباس الرابع- وكان في سياق قصة جريمة اعترف فيها الجاني بأنه قتل وأكل عددا كبيرا من الرجال خلال حياته فيما أذكر- (الواقع- رغم خضوعه لقوانين ثابتة لا تتغير- يكاد يكون دائما صعب التصديق بعيدا عن المعقول، وفي بعض الأحيان نرى الحادث أبعد كلما كان ألصق بالواقع)

في مقتبل العمر كان الواحد ينغمر في قراءة الكتب البوليسية والمغامرات لما يجد فيها من إثارة وخيال تلهب حماسه ولا نظير لها في الواقع، ثم يكتشف الإنسان كلما أبحر في الحياة أن من الحقائق ما هو أغرب من الخيال، وأن في أجواف الناس وبطون الكتب قصصا تغنيه كل الإغناء عن تقصي الخيال المكذوب والممتع في بعض كتب الأدب، ومن كان ذا اطلاع أو كان على صلة ببعض رجال التحقيق الجنائي مثلا أو بعض التخصصات الطبية أو الطاعنين في السن ممن أجالوا أبصارهم في هذه الحياة أكثر منا، فإنه سيجد أخبارا وقصصا تفغر فاهه، وأما في الكتب فما أكثرها، ولذلك يقول دوستويفسكي مقولته السالفة، وقد يستدل على صدق هذا المعنى بالآية الكريمة: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) أي: ليس الأمر كذلك، أي ليسوا عجبا دون باقي الآيات، أو ليسوا أعجب الآيات، كما ذكره في الجلالين، طبعا الآية تتكلم عن العجائب في آيات الله، وحديثي عن العجائب عموما في هذه الحياة، ولست أعني أن يتسرع الإنسان في تصديق أي شيء يحكى له، إنما أنتقد الذين يسارعون في تكذيب أي شيء لمجرد أنهم يشعرون بصعوبة تحققه، أو لأنه لا يتوافق مع بعض معايير العلم الحديث التي هي في نفسها غير قطعية في كثير من الأحيان وتتغير وتتطور في نفسها، بل الواجب أن يتريث الإنسان ويتروى، وفرق بين عدم العلم بالشيء وبين العلم بعدمه كما يقول السادة الأصوليون، ولذلك أذكر اقتباسا جميلا للأديب الراحل أحمد خالد توفيق- رحمه الله- في سياق الحديث عن الذين لا يؤمنون بما وراء الطبيعة مطلقا، يقول فيه (…وأن ضيق الأفق ليس هو من يؤمن بعالم ماوراء الطبيعة…بل هو من لا يؤمن به)، وإني لأظن أن قراء هذه التدوينة نفسها لو انبرى عشرة منهم فكتبوا لنا في التعليقات حقائق مرت بهم شخصيا أو سمعوها في حياتهم لقرأنا أشياء يعسر علينا تصديقها، الخلاصة: تروَّ جيدا قبل إنكار ما تسمعه ولا تكن ضيِّق الأفق!

الاقتباس الخامس- وهو على لسان سجين قضى عِقدا من عمره في السجن ثم أُفرج عنه-: (ويصح أن أذكر هنا بين قوسين أن أحلامنا وابتعادنا الطويل من الحقيقة جعلنا نتخيل الحرية شيئا أكثر حرية من الحرية الحقيقية ذاتها، فقد كان السجناء يبالغون في تقديرها، وهو شعور طبيعي أبرز ما يكون عند السجين المحروم منها، وكنا ننظر إلى أي تابع من أتباع الضباط كما ننظر إلى ملك أو إن شئت قل إلى المثل الأعلى للإنسان الحر بالقياس إلينا نحن السجناء لمجرد أنه لم يكن حليق الرأس مثلنا، حرا يذهب حيث يشاء طليقا من القيود والأصفاد).

هذا الكلام يدور حول سبب من أكبر أسباب شقاء الإنسان- في تقديري الشخصي- ألا وهو نظرته إلى الشيء الذي ليس في يده بنظرة غير واقعية، بل مبالغة في تقديرها لهذا الشيء، عزيزي الرجل: ثق أن تلك الممثلة أو المغنية التي فتنتك سيخف أو يزول وهج فتنتها إذا انتقلت إلى عصمتك، عزيزي المراهق: تأكد أن سيارة الأحلام التي صدعت رؤوس رفاقك بها لن تكون كما هي عليه الآن في مخك إذا انتقلت إلى جراج بيتكم، وهكذا مع كل شيء حتى المقتنيات الصغيرة كالجوال ونحوه، وقد أوجزها النحرير ابن مفلح حين أوصى بغض البصر فقال: (وليحذر العاقل إطلاق البصر، فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه)، فلا يظنن ظان أن سعادته أو راحته ستتحقق بنيله هذه الأماني، سواء كانت هذه الأماني مالا وفيرا أو وظيفة راقية أو أي شيء من متاع الدنيا، وسلامتكم!

وماذا عنكم يا أصدقاء متفكر؟ هل أعجبكم شيء من الاقتباسات الخمسة أعلاه؟ وهل تحبون أن نجري جولات لاحقة في معرضي الخاص بدوستويفكسي أم لا؟ وعيد أضحى مبارك على الجميع🌹.


4 آراء حول “متحف الفن الدوستويفسكي

  1. سلام عليكم اولا
    اقتباسات جميلة ومثرية
    كلها مثيرة لكن اتوقع اكثر ما حرك فؤادي هو الاول
    بما اني لا زلت لا اعلم من انا
    ما اعاني من اكتئاب ولكن اظن بعض الضيقة قد ترد في بعض الاحيان بعض الاوقات احس اني افهم نفسي شي معقد ولعل الضيقة ترتسم في هذا الوقت وفي اوقات ثانية احس انه من اسهل ما يكون
    عسى ان اصل الى هذا في الايام القادمة
    ان كان هناك بعض النصائح فأنا انتظر
    وشكرا على الروائع التي تقدمها

    إعجاب

    1. من أهم الأمور في هذه القضية:
      أن يطلب الإنسان من ربه أن يهديه ويعرفه بنفسه، لأنك لن تجد أعلم منه بك
      وثانيا: بذل الأسباب مثل عرض نفسك على طبيب نفسي مختص، والقراءة في كتب فقه النفس، وعمل بعض الاختبارات المتخصصة مثل بيركمان.
      أخيرا أتمنى لك التوفيق والهداية وبإذن الله تبشرني لاحقا بأنك قد صرت أوعى وأفهم بنفسك

      Liked by 1 person

      1. بإذن الله بإذن الله
        شكرا على هذه النصائح
        توكلت على من بيده قلبي
        وان شاء الله ابشرك لاحقا
        ومرة اخرى شكرا لك

        Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s