أخصر طريق للوصول إلى الفردوس

الحمد لله، أما بعد:

فلست أخفي سراً إذا أخبرتكم يا أصدقاء متفكر أن نيل منزلة الفردوس الرفيعة في الجنة، التي ورد فيها أنها “سر الجنة”، لم يكن مدرجا في قائمة الأمنيات المطموع في نيلها لفترة لا بأس بها من حياتي- والله المستعان-، وذلك لسبب بسيط جدا، ألا وهو ظني بعدم إمكانية بلوغ هذا الهدف، وذلك لعدم استحقاقي للفردوس، وعدم قدرتي على نيل أسباب استحقاق الفردوس في وقت من الأوقات، إنها منزلة تتطلب الاندراج في ركب الصدِّيقين والشهداء ونحوهم من النماذج الخارقة بالنسبة لي ولأمثالي من المساكين.

ثم حصل تغير جذري في اتجاهي النفسي وطمعي في الفردوس ذات يوم، بسبب حديث عجيب أخرجه الترمذي وغيره وصححه الألباني، يقول فيه الحبيب عليه الصلاة والسلام : “في الجنَّةِ مائةُ درجةٍ ما بينَ كلِّ درجَتينِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، والفِردوسُ أعلاها درجةً، ومنها تُفجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ الأربعَةِ، ومِن فوقِها يكونُ العرشُ، فإذا سألتُمُ اللَّهَ فاسأَلوه الفِردوسَ“، هذا الحديث المثير الملهم خَلَبَ لُبِّي لفترة، والذي خلب لبي – تحديداً- الجملة الأخيرة منه! والذي خلب لبي منها- تدقيقاً- هو عموم خطابه عليه الصلاة والسلام لأفراد أمته في توجيههم لاستهداف الفردوس، فكل مسلم يؤمن بالله ربا والإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فهو مندوب أن يسأل الله الفردوس! وإذا كان ذلك لأي مسلم فهذا يعني أن أي أحد ممن سيدعو بهذا الدعاء فهو ينتظر تحققه بمجرد استجابة الله لدعاءه! مممممم لا أدري صراحةً هل سيفهم كل من قرأ هذه التدوينة السر العجيب في هذا الحديث أو هل تمكنت من إيصال الفكرة أم لا… إن فكرة النص الكامنة فيه تعني أنه قد لا يكون بينك وبين الفردوس إلا أن تدعو الله، فيستجيب لك، فتدخل الفردوس! فقط بكل بساطة، دون أن تضطر لبذل روحك في سبيل الله، أو التضحية بجميع ما تملك في مواساة الفقراء والمساكين، أو غير ذلك من الأعمال المهيبة العالية بالغة الصعوبة عليَّ وعلى أمثالي من الضعاف، وهذا يعني أنك قد تدعو الله بالفردوس فيعطيكه وإن تكن مثقلا بالذنوب والآثام، بكل اختصار وبكل بساطة!

هل هذه دعوة لسفول الهمة أو التخلي عن مشاريع العمر؟ كلا، بل هي دعوة للإقبال على الكرم الإلهي والترقي في عبادة الرجاء والحب وارتواء القلب من صفات هذا الرب العظيم الذي لم يكن له كفوا أحد في كرمه وجوده وعطاءه وسائر صفاته الجليلة، ذلك أن المتفكر سيكتشف في حينٍ من عمره أن الأمر كله لله، وأنه مدين- أصلاً- في كل عمل جميل لله نفسه، وأنه (لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) وأنه لا يدخل الجنة أحد بعمله كما ورد في الحديث، فإذا كان ليس ثمة أحد يدخل الجنة أصالة بعمله، فالفردوس كذلك ليس أحد يدخله- بمن فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء- بعمله، (على اعتبار أن الباء ليست للمعاوضة وإنما هي للسببية في مثل قوله تعالى (بما أسلفتم في الأيام الخالية).

ثم إنه مع وضع فكرة الحديث في خلفية عقلي واستصحابها، مررت بعد ذلك على بعض النصوص الشرعية التي أكدت لي هذا المعنى وزادته جلاءً، منها الحديث الذي أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم في بيان آداب الدعاء: ” ولْيُعظِّم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه!”، ففي هذا الحديث أمر نبوي صريح برفع المعيار الكمي والنوعي عند دعاء الله عز وجل- طالما لم يدع الإنسان بمستحيل شرعي أو كوني-، وذلك لعلة بسيطة جدا واضحة جدا لذيذة جداً أترك لكم مضغها في عقولكم واستخراج حلاوتها! وهي أنه سبحانه لا يتعاظمه شيء أعطاه!

بعد ذلك اطلعت على نص شرعي كان بمثابة الضربة القاضية لكل إيراد أو إشكال يمكن أن يرد على أحد، ألا وهو ما جاء في الحديث المتفق على صحته من أنه “لَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ”، أي أنه بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة يبقى فيها متسع، فيخلق الله له خلقا يملؤونه، فها هنا سطع في قلبي نور الكرم الإلهي وقلت: إذا كان الله سيسكن الجنة خلقا لم يعملوا عملا قط، فمن بابٍ أولى أن يسكن الفردوس ناسا تعلقوا بحبال كرمه واستجابوا لإرشاد نبيه بسؤال الفردوس، وغير خاف عليكم مركزية الدعاء ضمن منظومة العبادات في الإسلام، إن عبادةً ورد في شأنها أنها “مخ العبادة” لجديرة بأن يتبوأ صاحبها الفردوس.

Photo by Johannes Plenio on Pexels.com

الزبدة: سلوا الله الفردوس لكم ولمن تحبون، وما يدريك لعل الله ينيل أباك أو أمك أو صديقا عزيزا عليك الفردوس بدعوة خرجت من فيك في لحظة من ليل أو نهار، وأنت مستلق على سريرك تتأمل السقف… وأيضا لا تنسوا صاحب التدوينة من دعوة له بالفردوس، ودعونا نستمتع سويا بصفات الجمال والجلال لهذا الإله الكريم، وسلامتكم.

ختاما: أصدقاء متفكر، أستقبل نصائحكم وتشجيعكم وانتقاداتكم البناءة على الإيميل التالي: feedback@mutafakker.blog


رأيان حول “أخصر طريق للوصول إلى الفردوس

  1. اسال الله لك ولي ولمن نحب الفردوس الاعلى
    بكرمه ورحمته
    شكرا اخي على هذه الكلمات التي اشعلت في قلوبنا جذوة الايمان

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s