7 (زُبَد) للمرضى الروحيين

الحمد لله، أما بعد:

فلقد قدَّر الخبير سبحانه لي أقداراً جعلتْني متجذِّر الصلة بعالم الأمراض الروحية كالسحر والعين والحسد- عافانا الله وإياكم-، وهو عالم لا يزال مجهول الأبعاد وغامض الملامح إلى حد كبير، وذلك لأسباب كثيرة قد لاتكون هذه التدوينة مجال ذكرها، هذا الغموض الذي يتسم به عالم الأمراض الروحية يجعلني أعتقد أن المرضى الروحيين وذويهم وخبراء الرقية الشرعية هم من أكثر الشرائح التي تحتاج إلى إقامة جسور وروابط فيما بينها لتبادل الخبرات والتجارب، إن الشفاء من المرض الروحي هو رحلة قد تمتد لفترة أطول مما تظن، وهو ليس مجرد صراع مع مرض، بل صراع مع كائنات عاقلة تخطط وترصد تصرفاتك وخطتك العلاجية كمريض وتتخذ ردود أفعال إزاء ذلك- أقصد الجن-، هذا الصراع يحتاج إلى إدارة وإلى تفكر وتأنّ في بعض الأحيان، وهو ليس مجرد صراع مع الجن، بل هو أيضا ينطوي على معارك سياسية طاحنة مع نفسك التي بين جنبيك، والتي ستكون مثل الفرس الجموح الذي ستعاني كثيرا حتى تروضه وينقاد لأداء أمور تكرهها أشد الكراهية بحكم مرضك، أو الإحجام عن أشياء تتهافت على فعلها بحكم سقمك كذلك، على أية حال يبدو أنني أطلت في المقدمة، فلندلف الآن إلى هذه الزبد إن شاء الله، وهي زبد قد يختلف معي بشأن بعضها خبراء الرقية الشرعية- وأرحب باختلافهم طبعا-، ولكم تمنيت من جهتي أن يتم تحويل هذا المجال إلى حقل معرفي منظّم… حسنا سأعود إلى الزبد:

الزبدة الأولى: لا تَهِم، قد يتوهم بعض الناس أن عنده مرضا روحيا وهو سليم معافى ليس به علة، أو به علة ولكنها علة عضوية أو نفسية بحتة، والتوهم الإنساني من عجائب الأمور في الدنيا!، فإن العقل إذا اقتنع بالفكرة فإنه يبدأ في تفسير وحشد كل حادث يحصل حوله بما يتوافق مع قناعته، ويقوم بتأويل كل واقعة تخالف قناعته بما يجعلها غير متضادة معها!، فلا بد أن تتأكد أيها المريض الروحي من ذلك، وقد رأيت بنفسي راقيا ذكيا يتظاهر بتلاوة الآيات بصوت خفيض وهو يتلو كلاما لغوا في حقيقة الأمر، ثم يسأل المريضة هل شعرت بشيء؟ فإن أخبرته بأنها شعرت بأعراض عرف أنها متوهمة وأن ما بها ليس مرضا روحيا، لأن المرض الروحي إنما يتفاعل مع كلام الله عز وجل وليس مجرد التلاوة الملحنة لأي كلام، فيبدو أن الرقاة أيضا يعانون أحيانا من المتوهمين!

الزبدة الثانية: إذا أدركت أنك مريض روحيا فلا تفن كثيرا من الوقت بعد ذلك في التشخيص الدقيق لمرضك الروحي، لأن طريق الشفاء-إجمالاً- مشتَرَك بين هذه الأمراض، ولأن القرائن التي يستدل بها كثير من الرقاة هي ظنية إلى حد كبير وتتفاوت فيها الأنظار، ومشترَكة بين عدد من الأمراض الروحية، فلا توجد حدود فاصلة وواضحة بين أعراض هذه الأمراض، وقد يشخصك الراقي فلان بأن بك حسدا، ثم يشخصك راق آخر بأن بك سحرا، ويشخصك ثالث بأن بك مسا عاشقاً فتدخل في دوامة من التفكير والتقلب بين الخطط العلاجية، نعم قد يفتح الله أحيانا على بعض الرقاة أو المرضى بتشخيص دقيق مؤثر في حصول الشفاء، أو يكون التشخيص الدقيق حاضرا بوضوح نتيجة ملابسات ووقائع معينة، مثل الصحابي الذي أصابته العين بسبب حسن جِلده في القصة المعروفة، لكن هذا استثناء- في تقديري الشخصي- وأنا أتكلم هنا عن القواعد، وثق أنه إذا كان ثمة حاجة إلى التشخيص الدقيق في حالتك فسيأت به الله.

الزبدة الثالثة: لا تحتَر كثيرا في اختيار تفاصيل خطتك العلاجية!، كثيرا ما تسيطر الحيرة على المرضى الروحيين عند إرادة العلاج بسبب تعدد وكثرة الخيارات المطروحة أمامه، ولهؤلاء أقول: سواء اخترت الخطة أ أو الخطة ب فالشافي هو الله سبحانه، وليس الخطة أ ولا الخطة ب، وأنت إنما تتعبد لله ببذل أسباب الشفاء لتبرئ ذمتك والنتيجة من عند الله، وإذا أراد الله لك الشفاء فسيأتيك بأي طريق، فلا تتعلق بالأسباب حتى الشرعية منها! إنما المعيار الأهم عندي في اختيار الخطة المثالية هو استهداء الله فيها أولاً ثم سهولتها عليك وقدرتك على الالتزام بها، لأن التحدي الحقيقي إنما يكمن في استمرارك في طلب الشفاء ومجاهدة أعداء الله مهما استمر بك الزمان وتقلبت بك الأحوال!

الزبدة الرابعة: إياك والاستنزاف! من أقذر الأساليب التي يستخدمها الجن في ترويض عدوهم هو الاستنزاف!، وذلك بتركه يتحمس لبعض البرامج العلاجية الشاقة أوغير الواقعية مؤملا أن الشفاء ينتظره في آخرها، ثم قد يختم البرنامج الشاق الذي عطّل لأجله حياته ومصالحه ولما يحصل الشفاء بعد! ويكتشف حينها أنه قد استهلك نفسه وأرهقها في خضم حرب لا يعرف نهايتها، فها هنا يحصل اليأس والإحباط! وياله من يأس! والذي أراه الأفضل في تقديري الشخصي أن تختار خطة علاجية ملائمة لك ولظروفك، تكون قادرا على الاستمرار فيها لسنوات وسنوات، وتذكر أنك تطرق باب الله، وأن الكريم الشافي سبحانه ليس عنده حد أدنى لما يجب بذله من الأسباب، والحبيب عليه السلام يقول: “اكلفوا من العمل ما تطيقون”، وأنه قد “سبق درهم مئة ألف درهم”.

الزبدة الخامسة: هل الشفاء خير لك! حسنا، أعلم أن هذا صادم بعض الشيء، ولكنه حقيقي! فقد تكون مكاسبك كمريض روحي- من حيث المجموع- أكبر من مكاسبك التي ستحصلها عند تعافيك! من الذي يعلم حجم مكاسبك وخسائرك في عاقبة أمرك؟ الله سبحانه هو الوحيد الذي يعلم، وبالتالي: فإذا كنت قد بذلت ما تستطيع ولم يحصل الشفاء بعد، فثق أن الخير فيما اختاره لك مولاك الرحيم الحكيم، ولا يعني هذا التوقف عن طلب الشفاء، إنما يستمر الإنسان في طلب الشفاء وقلبه راض مطئمن بأن ما سيختاره الله له فهو خير من اختياره لنفسه، وعندي على هذا دليل عجيب! ألا وهو الحديث المتفق على صحته أن “امرأة أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ، وإنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ لِي، قالَ: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يُعافِيَكِ، فَقالَتْ: أصْبِرُ، فَقالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ لي ألّا أتَكَشَّفَ، فَدَعا لَها”، فانظر كيف خيّرها النبي صلى الله عليه وسلم- وهو أنصح الخلق لأمته وأرحمهم بهم- بين الدعاء وحصول الشفاء وبين الصبر على المرض، مع ترغيبه وحثه لها على الاستمرار في هذه المعاناة والصبر عليها، ولو كان الشفاء هو الخيار الأفضل دائما لبادر بالدعاء لها، وهذا التعب مقابل صفقة كبيرة ضخمة جدا وهي ضمان الجنة، ثم إنك قد ترى هذه الخيرية عاجلا في الدنيا، وقد لا تراها إلّا حين توافي ربك يوم الجزاء، حين تجد أهل العافية في ذاك الموقف يغبطونك على مرضك هذا الذي بلغك المنزلة الرفيعة الأبدية عند الله!

الزبدة السادسة: تضلّع واستمتع! بلاؤك سيفتح لك فرصة ذهبية للقرب من الله ومناجاته والشكوى له، وستجد روحك تتنقل بين مقامات قلبية سامية ما كنت تخال نفسك في يوم من الأيام أن تُحلِّق ناحيتها، يؤسفني أن أخبرك بحقيقة مرة!، ألا وهي وجود احتمال كبير بعدم ارتياد هذه المنازل الرفيعة مرة أخرى عند تعافيك! هذه الأحوال التي يموت فئام من الناس وهم لم يتذوقوها في حياتهم ولو مرة، فاستغل الفرصة، واستودع تلك الأحوال القلبية الجميلة التي تمر بك عند الذي لا تضيع ودائعه، وما أكثر ما رأينا في الناس من يبكون تلك الأحوال التي مرت بهم في وقت كربهم ثم انمحت وزالت مع عيشة الرخاء التي عادوا إليها.

الزبدة السابعة: ارفق بنفسك، ثم ارفق بنفسك، ثم ارفق بنفسك، لأنه لا شيء أشد أثرا في توهينك وإضعافك من تأنيب الضمير وجلد الذات، تذكر أنك مأمور شرعا بالرفق مع النفس أيضا وليس فقط مع الناس، وأن لهذه النفس التي بين جنبيك حقا عليك، فلا يجوز أن تظلم نفسك، وأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، وأن رحمته قد سبقت غضبه سبحانه، إن الجن متفننون في إشعارك بالإحباط، وهذا الإحباط والتأنيب قد تستلذه في البداية ظانا أنه من التوبة المشروعة شاعرا أنك تكفّر به عن سيئات أفعالك الصادرة منك وقت الضغط، لكنه مع استمراره سيؤدي بك إلى أن تكف عن المقاومة وتنهار نهائيا في يوم من الأيام أو يسرق طموحاتك وهمتك العالية في وقت من الأوقات، فاقطع عليهم الطريق ودرعك الذي تحتمي به هو صفات ربك الرحيم العفو اللطيف الطيب سبحانه، وإنك إذا فعلت وصيتي هذه فستعرف صوابها بنفسك حين تلمس الآثار الإيجابية النفسية على ذاتك من الشعور بتقدير الذات والنشاط على فعل الخير.

الزبدة الثامنة: في الحقيقة هناك زبد أخرى، عن التعامل مع النفس، والتعامل مع الناس، والتعامل مع الجن، لكن أرى أن التدوينة قد طالت، فلعلي أستكملها في تدوينة أخرى، ودمتم في رعاية الله.

ختاما: أصدقاء متفكر، أستقبل نصائحكم وتشجيعكم وانتقاداتكم البناءة على الإيميل التالي: feedback@mutafakker.blog


3 آراء حول “7 (زُبَد) للمرضى الروحيين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s