قانون المعاناة الكوني

الحمد لله، أما بعد:

فإن كنت عزيزي القارئ لازلت تتحيّن اللحظة التي تزول فيها كل المعاناة لتبدأ بعدها حياةً مليئة بالسعادة والبهجة من بدايتها لنهايتها فاعلم أن هذه الأمنية في ذاتها ستكون سبباً مؤثراً لتنغيص حياتك! لا تحاول الآن استحضار كل الكلام الإيجابي الذي قرأته في حياتك الماضية عن تحويل الليمون إلى شراب حلو، فهناك من الليمون ما لا يقبل التحلية، وهناك من الآلام ما يكون تشبيهه بالليمون محض استخفاف وهراء.

صدقوني إذا قلت لكم إن أول خطوة للحياة الهانئة هي إدراك هذا القانون، القانون الكوني للمعاناة، عندما توطّن نفسك على أنه كُتبَ على ابن آدم نصيبُه من الشقاء، مدركٌ ذلك لا محالة، كثير منا يعرف هذا بعقله لكنه لم يوقن به ولم يتقبله داخليا بعد، إن الألم والمعاناة حتم لكل بشري في هذه الدنيا، إذا أردت أن تسعد فعليك أن تتقبل الكَبَدَ وتستعد للقياه في بعض لحظات حياتك، تعوّد على وجوده كاعتيادك على غروب الشمس وطلوعها، وكاعتيادك على أن السرعة تساوي المسافة على الزمن وعلى أي سنة من سنن الله الكونية التي يعمل هذا الكون على وفقها، أوليس قد قال الله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)! فهو مخلوق في وسط هذا الكبد، قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف كما يقول بعض المفسرين، من حين يولد يكابد مشقة الولادة والارتضاع وهضم الطعام وإخراج الفضلات وغير ذلك من الآلام التي تعرفها كل أم. وفي القرآن الكريم آيات عجيبة تصف الآلام النفسية لأولياء الله، لعلي أفردها بتدوينة إن شاء الله، وقد كان أحد مشايخي يقول: البلاء مقسم على الناس كما أن الأرزاق مقسمة بينهم.

لو خرج رجلان في طريق واحد كان به ازدحام ومشاكل مرورية في وسطه، لكن أحدهما كان موطّناً نفسه لاحتمالية وجود بعض المشاكل في طريقه والآخر خرج من بيته متوقعا أن الطريق خال تماما من أي زحام أو اختناق في السير، فأيهما الذي سيعاني ويغضب وينزعج أكثر بالزحام؟ الذي كان يتوقعه أم الآخر؟ الحياة مثل هذا الطريق، الطريق الذي تعلم قطعا أن به ازدحاما لكنك تحاول نسيان ذلك أو تجاهله، فإذا وصلت إلى الازدحام أخذت تنوح وتتشكى وكأنك (متفاجئ بوجوده)، لا تجزع إذا لقيتك صعوبة في الطريق وكأن ذلك شيئا لم يكن متوقعا، توقّع الزحام وتجهز لمواجهته بما يسليك ويصبرك، موقنا أنك إنما تصل لمصالحك وغاياتك باختراق هذا الزحام ولا بد!، إن من أسباب ثبات المؤمنين حين وجدوا جموع المشركين مقبلةً عليهم أنهم كانوا يعلمون سلفاً بوجود هذه الصعوبات، وذلك في قوله تعالى (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما).

ثم إنك يجب أن لا تغفل عزيزي المتفكر أنك بهذه المعاناة إنما تسعد في لحظات السعادة، فلولا هذه الآلام لما استطعت تمييز لحظات السعادة، إن الإنسان لا يفهم معنى الصحة إلا بمشاهدة المرض أو تجربته، ولا يدرك معنى الجمال إلا إذا رأى البشاعة والقبح، هذا ليس كلاما فلسفيا بل هو في غاية الصحة والصدق، قد يعيش الإنسان سنوات وهو لا يدري مدى لذة طعام أمه، حتى إذا جّرب مرةً طعاما رديئا يكتشف حينها كم كان متمتعا بأكل البيت، إن أشد لحظات سعادتك التي مررت بها في حياتك مدينة في واقع الأمر لأشد لحظات تعاستك، فلو كانت حياتك خالية من الشعور بالتعاسة فستخلو من لحظات السعادة الغامرة أيضا. إني لأجزم أن لو اتجهت إرادة الله لنزع الكَبَد بالكلية من هذا العالم إذاً لذهب الكَبَد والسعادة ممسكة بذيله، وتصير الحياة حينها كلوحة بيضاء بدون ألوان، ويغلف الملل والروتين حياة البشرية حينها ليؤول بهم إلى ما لا أدري ما هو! ألا ترون أن أسعد لحظاتنا بالأكل- مهما يكن بسيطا أو متواضعا- تكون عند لحظة الإفطار من الصوم؟

وإذا كان هناك جزء من المعاناة هو ملازم للإنسان لا يستطيع الفرار منه، وإذا كان بعض الليمون ستضطر لتجرعه وهو في قمة الحموضة والمرارة! فما الذي يترتب على ذلك؟ الذي يترتب عليه في تقديري الشخصي هو ثلاث وصايا:

الوصية الأولى: السجود، سواء كنت مقتنعا بما سبق أم مقتنعا بخلافه أم غير مقتنع بشيء أم لك نظريتك الخاصة في الشقاء والسعادة، ففي كل هذه الأحوال الأربعة لا تحرم نفسك من الملاذ الأساسي للإنسان تجاه كل ما يلاقيه في الدنيا من معاناة، إنها الصلاة عموما والسجود خصوصا، ففي السجود أسرار لم يدركها الناس على وجه التفصيل ولن يدركوها أبداً، إن السجود مع الإنسان يشبه وضع الآلة التالفة عند صانعها ليصلح ما بها من عطب! ضع رأسك وقلبك عند خالقك واشك له وفضفض ثم عد لأخذ رأسك وقلبك بعدها وانظر بم تشعر! ستجد راحة وانشراحا وسكينة وإن بقي بلاؤك، وقد تنغمر في شلال من السعادة والفرح رغم عدم تغير أي شيء من ظروفك الراهنة، ولذلك فقد أرشد الله نبيه إلى هذه الوسيلة من العلاج النفسي للضيق والمعاناة، حيث قال له: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون# فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين).

الوصية الثانية: الحصول على تعويضات، من المزايا الحصرية التي يحصل عليها المسلم في الدنيا هي إمكانية تعويضه عن هذه الآلام، قال الحبيب عليه الصلاة والسلام: “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ”، وهذا التعويض يزيد ويتضاعف بزيادة ترقيه في مدارج الصبر والاحتساب، حتى إنه ليتحول بعد التعود عليه واليقين به إلى لذة عظيمة قد تفوق ما يشعر به المؤمن من مرارة المصاب، ماذا لو كنت موقنا بدخول عشرة آلاف ريال في حسابك بعد كل يوم شاق في حياتك! م و ق ن اً، هذا مبلغ تافه كل التفاهة في مقارنة (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) فلو شبهناه بإيداع مبلغ في حسابك، فستتدفق الأرقام بدون حد يحدها ولا حساب يوقفها! وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله: (لا ريب إن المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سَكَن قلبُه واطمأن بمشاهدة العوض، وإنما يشتد به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثواب، وقد تقوى ملاحظة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة).

الوصية الثالثة: شرف المعاناة، إذا كان الكل سيعاني فلتكن معاناتك في شيء شريف يرفعك عند الله، من البشر من يعاني ليصل إلى الشهرة، ومنهم من يعاني ليصل إلى الثروة، ومنهم من يعاني ليصل إلى العلاقات والنفوذ، ومنهم من يعاني فقط من أجل حياة هانئة، لتكن معاناتك من أجل الله وابتغاء مرضاته، ونصرة دينه، ونفع عباده، وغير ذلك من القائمة الجميلة الرائعة للآلام الشريفة، وما أجمل الآية التي وصفت معاناة المؤمنين ومعاناة الكفار ثم عقبت بهذا التعقيب المركزي، حيث قال الله: ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون)

ولا يفهمن أحد أني أزهِّد في أهمية إدراك الجانب الإيجابي لكل ما يعانيه الإنسان، ولا في أهمية مدافعة الأقدار بالأسباب المقدور عليها، فكل هذا مهم، لكني أقصد أن هذا المنظار لا يمكن له دائما أن يدرأ الآلام والمعاناة، بل لا بد للإنسان أن يمر بلحظات الكدر والضيق، لأنه إنسان، ينسى ما تعلمه عن إيجابيات البلاء، ويضعف عن استحضارها في شدة الألم، ويجهل أحيانا وجود إيجابيات أصلاً لما يعانيه، فها هنا لا بد له أن يتقبل وجود مشاكل مرورية في طريق الحياة ولا بد.

ختاما: هل تشاركون متفكر في نظرته الواقعية للموضوع أم تظنونه كتبه تحت تأثير ظروف خاصة ولعله يتراجع عنه لاحقا👀

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


8 آراء حول “قانون المعاناة الكوني

  1. لله در هذا القلم المعطاء الذي يوسّع آفاق التفكير ويغذي العقول!
    أتفق تمامًا مع ماكتبت وأكاد أن أجزم أن ليس هناك من يختلف.

    وليست كل المعاناة أو المتاعب التي نواجهها قد تكون أمرًا سيئًا بالضرورة، أحيانًا يمكن أن يكون التعايش مع هذه المنغصات والمتاعب أمرًا مفيدًا وضروريًا، فكما تعلمنا آلام إصبع القدم أن علينا أن نسير من غير أن نصطدم بالطاولات، يعلمنا الألم الناتج عن الفشل أو الصد أو الخيبة كيف نتجنب الوقوع في المعاناة ذاتها في المستقبل.

    جميعنا كنا أشخاص آخرين فيما مضى، فلا بد أن نمتن دائمًا للتجارب والخبرات السابقة وإن كانت سيئة، لأنها هي من أوصلتنا لهذه المرحلة من الوعي وهي من تختصر علينا الكثير من الوقت والمسافات.

    بَارك الله فيك أستاذنا وزادك علمًا وهدى وحكمة ونفعا.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s