كيف تواجه كآبة الاختبارات

الحمد لله، أما بعد:

فلقد هممت بالعدول عن كتابة تدوينةٍ لهذا الأسبوع، لشعوري بعدم (فواقة) الكثيرين للقراءة بسبب ما هم فيه من الانشغال بالاختبارات، ثم لما تخيّلت نفوس طلابي المكتئبة، ووجوهم الشاحبة، وشعورهم المتشعثة، وربما بعضاً من البثور التي ستطل برأسها هذين الأسبوعين، لم يهُن عليّ إلّا أن أشاركهم ببعض من الوصايا التي ربما تساهم في إشراق وجوههم وتمشيط شعورهم ولو مؤقتا، إذاً هيا بنا إلى بعض من السعادة أو ما يؤدي إليها:

السعادة الأولى: لا تعط الموضوع أكبر من حجمه، هذا القلق الذي يملأ عليك سماءك (معظمه) غير مفيد وغير مؤثر في المحصلة النهائية، لماذا تحرق دواخلك إذاً؟، بإمكانك أن تذاكر جيداً وتحصد جيداً بدون هذه الكمية الكبيرة من المشاعر السلبية، إن درجاتك ونتائجك في كل مادة مكتوبة ومقدّرة في اللوح المحفوظ ومفروغ منها، لا تظن أن هذا الهم العظيم الذي تحمله سيزيد في الدرجة، أنت تحتاج من هذه المشاعر إلى القدر الذي يدفعك إلى بذل الأسباب بما تستطيع، وما زاد على ذلك فهو ظلم لنفسك التي بين جنبيك بلا أي مردود إيجابي! واعلم عزيزي الطالب أن المُعدَّل ليس هو النافع الضار، بل الله هو النافع الضار- سبحانه-، وليست الشهادة هي التي يتحكم في مصيرك، بل الله هو الوحيد الذي يتحكم في مصيرك، الشهادة والمعدل هما سببان من جملة أسباب كثيرة جدا، مثل الخبرة والصفات الشخصية واحتياجات جهات التوظيف و….إلخ كلها تجتمع لتصب في المحصلة النهائية، ولا زلنا نرى في واقع الناس من احتلوا أعلى الدرجات المرموقة رغم عدم تفوقهم في الدراسة، وآخرين تفوَّقوا في الدراسة لكنهم تعبوا في حياتهم الوظيفية، ولست أدعو هاهنا للإهمال، ولكن أقول: أعط الموضوع حجمه الطبيعي واجتهد ولكن بدون أن تهلك نفسك. وحتى لا يظنن ظان بكاتب هذه التدوينة الظنون؛ فإنه لا بأس لي من أن أذكر أنه لطالما حاز كاتبها المراكز الأولى في شتى مراحل عمره الدراسية، كنيله المركز الأول على دفعة قسم القضاء عند تخرجه من البكالوريوس، وكنا نرى في نفس الوقت من الزملاء المتفوقين الأوائل من يتمتع بنفسية هادئة ومزاج رائق أيام الاختبارات، ونرى في المقابل من تسودُّ هالات عينيه وتصفرُّ وجنتاه كأنما انهالت عليه هموم الدنيا، وكلا الصنفين موجود في عالم الدوافير!

السعادة الثانية: هل تريد واسطة؟: الوحيد الذي يعلم أسئلة الاختبارات قبل أن تخطر حتى ببال الدكتور هو الله، والوحيد القادر على إلهامك أن تعتني وتهتم بمواضعها من المنهج هو الله، والوحيد الذي بيده قلب الأستاذ ويمكن أن يلهمه لاختيار أسئلته من المواضع التي ذاكرتها جيدا هو الله، والوحيد الذي يمكن أن يؤثر على الدكتور وقت التصحيح فيجزل لك في الدرجة وطريقة احتسابها هو الله، فلماذا لا تُقْبل على الله! والله يحب من عباده أن يقبلوا عليه وقت احتياجهم إليه، اسجد له، واطلب منه الهداية والسداد في المذاكرة والاختبار، وعلّق قلبك به سواء تيسر لك فعل الأسباب الأخرى من المذاكرة ونحوها أم لم يتيسر، وصدّقني ستجد أثر ذلك، ولا تنس في الاختبار دعاء من استصعب عليه أمر “اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزْن إذا شئت سهلا”.

السعادة الثالثة: قصة الحطّابيْن، في صغري سمعت قصة جميلة، عن حطّابين تنافسا أيهما يجمع أكبر قدر من الحَطَب، فكان الأول يعمل ويعمل بلا كلل ولا ملل، بينما كان الثاني يعمل وقتاً محدداً ثم يأخذ راحة، ثم يعود إلى العمل ثانية ثم يأخذ راحة، وكان الأول يعيب عليه فعله هذا، لكن المفاجأة التي صعقته بعد انقضاء فترة التحدي أن إنتاجية الحطاب الثاني كانت أكبر!، السبب طبعا في أنه بعد كل فترة راحة كان يعود إلى العمل وهو أنشط بدنا وأقوى على العمل، بينما كانت إنتاجية الأول تتناقص تدريجيا بغير شعور منه بسبب دخول الإرهاق على جسده ونفسه، الخلاصة: ذاكر بذكاء ولا تذاكر بتعب وحماقة، وقسم الأوقات إلى وقت مذاكرة (45 دقيقة مثلا) ثم وقت راحة (15 دقيقة مثلا) وهكذا، ولا تجعل راحتك بالجوال!، بل اجعلها بأخذ نفس عميق، أو أخذ لفة في فناء المنزل أو سطحه في هذه الأجواء الرائقة، أو خوض محادثة مع صديق ونحوه..

السعادة الرابعة: حاسب نفسك على بذل وسعك بغض النظر عن النتيجة النهائية، لأن النتيجة ليست بيدك، فلا تربط تقديرك لنفسك ورضاك عنها مثلا بأن تحصل على أ+ في المادة، بل اربط ذلك بجلوسك ما مجموعه 10 ساعات مذاكرة على المادة، وهكذا، فقد يبذل الطالب جهودا خرافية في المذاكرة لكنه لا يحصل على الدرجة المرادة بسبب أن الدكتور ظالم في تصحيحه، أو مخطئ في صياغة بعض أسئلته، أو بسبب ظروف حصلت للطالب ليلة الاختبار منعته من إتمام مذاكرته (وبعض هذه الظروف أهم شرعا وأوجب عند الله من موضوع المذاكرة) فهذا يستحق المكافأة لأنه بذل ما يستطيعه ولم يقصِّر، وقد قال الله عمّن هاجر لكنه لم يصل لوجهته: ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)، ونفس الخطاب يوجه لأولياء الأمور من باب أولى.

السعادة الخامسة: بعض التكتيكات:

1- اختر طريقة المذاكرة التي تريحك أكثر، لأن هذا يعني إنتاجية أفضل. هل أنت شخص بصري وتحب التظليل بشتى الألوان على المسائل المهمة، أم أنك إنسان سمعي ولا تثبت المعلومة عند إلا بعد أن ترددها بصوت مسموع، أم أنك تحب المشاركة والمناقشة وأحب شيء إليك أن تتذاكر في المسألة مع صديق؟ هل تحب البيئة الهادئة وقت القراءة أم تفضل شيئا من الضجيج المعقول الذي يبقيك نشيطا؟ المذاكرة ليس لها صيغة واحدة، وللنجاح طرق متعددة، فاختر ما يلائمك حتى تستفيد أكثر في وقت أقل.

2- اعرف طبيعة دكتورك: بعض الدكاترة يركز على الفهم أكثر، وبعضهم يركز على النص ويلتزم به التزاما أعمى، بعض الدكاترة يركز على الأمور والعناصر الأساسية في كل درس، وبعضهم يسأل عن أي شيء حتى توافه المسائل للأسف، هذه المعرفة بطبيعة الدكتور تتحصل لدى الطالب النبيه من خلال معاشرته للأستاذ طيلة الفصل الدراسي ومن خلال الاختبار النصفي أيضا، ولا بأس أن تتشاور مع زملائك الطلاب في أمور كهذه. (طبعا بدون أن تحصل غيبة وسب وسخرية!)

3-كافئ نفسك بحصافة: فترة الاختبارات فترة مرهقة بلا شك، فكن فيها رفيقا بنفسك، ولا بأس أن تختار لها من المكافآت ما يحفزها لمزيد من البذل، وها هنا يختلف اختيار نوع المكافأة باختلاف طبيعتك ومحبوباتك ومستواك المادي، لكن مهما كان حالك فأظنك تقدر على إيجاد مكافأة ما، ألم تشتق لبرجر الواغيو الذي كان يستنفر حبيبات لسانك ويسيل لعابك!، أو تلك البيتزا التي تنقلك لعالم الأحلام عند أول قضمة! واعلم أن طعم الشيء ونكهته عندما تناله كمكافأة لنفسك ألذ وأفضل من نكهته عندما تعطيه لنفسك مجانا بدون مقابل، بالنسبة لمتفكر؛ فإن العديد من الأشياء التي تقبع حوله في الحجرة، كانت نوالاً وعطاءً على إنجازات معينة!

4- نم جيدا ليلة الامتحان: لا زلت أستغرب ممن يتعب كل هذا الوقت قبل الامتحان ثم يغفل عن إعطاء عقله وجسده مدة نوم معقولة قبل الاختبار لكي يتمكن هذا العقل المنهك من استرجاع وتذكر المسائل عند الحاجة إليها، ويأتي إليك قبل الامتحان وهو يتفاخر ويشعر العظمة كونه واصل ليله بنهاره حتى هذه الساعة!، عزيزي الطالب لا تتحامق رجاءً ونم.

أخيرا: فكر في امتحانك الحقيقي، امتحانك الذي جئت لأجله في الدنيا، كيف أداؤك فيه يا رفيقي! وتذكر أن ورقة الامتحان فيه ليس لها أمد معروف، وإنما ستنزع منك في أي وقت، والسلام!

أخيراً: ماذا عنكم أصدقاء متفكر، هل توافقون على النقاط في الأعلى؟، وبم تنصحون الطلاب في هذه الأيام (الجميلة) !!

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


11 رأيا حول “كيف تواجه كآبة الاختبارات

  1. أنا للأمانة أرى أن أهم أمر قبل الاختبار هو الهدوء وراحة الذهن “بعد التوكل على الله” سبحانه فقد جربت طريقة الهدوء وجربت التوتر ودائما عندما أذهب لإختبار وأنا متوتر أخطى في أسئلة أراها تافهه جدا بعد الاختبار، فأصبحت دائماً قبل الذهاب إلى الإختبار أشرب كوب شاي أو قهوة وفي هذه الطريقة دائماً ما أحصد خير الدرجات.
    وللأسف انني قبل إختبار المادة التي أدرسها لدى المتفكر ذهبت متوترا بعض الشيء ووقعت في بعض الاخطاء الغريبة.

    Liked by 1 person

      1. شكر من اعماق قلبي لك يا دكتور الحمدلله نزلت درجة الماده الي اخطأت فيها هذا الخطأ والحمدلله ٩٠ شكرا لك على المساعده وبإذن الله لن تتكرر

        إعجاب

  2. صباح الخير يامتفكر ، فعلًا لا يجب أن نعطي الموضوع اهمية اكبر من حجمه فهو مُجرد اختبار دُنيوي والأهم اختبار الآخرة ، ولكن لا يمنع أن نُعطي للموضوع اهمية نوعًا ما امتثالًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:((من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)) فنحن نؤجر على كل علمٍ تعلمناه في الدُنيا لذا لا يجب ان نتذمر كليًا مما نتعلمُه في حياتنا الدُنيا بل يجب أن نحتسِب أجر هذا العِلم ، وبالنسبة لي فإني أبذل ما أستطيع دون أن أُجهد نفسي لدرجة الاستياء والبُكاء اذا لم ترضيني درجة الاختبار بل أقول لعلها خيرة فكُل أمورنا خير ما دامت تحت تدبير الله ، وبالتوفيق لنا أجمعين.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s