متفكر في المطر

(ملحوظة: تم تسجيل هذه التدوينة في يوم ممطر)

الحمد لله، أما بعد:

فلا أدري لماذا تهيج مشاعري في المطر، أمر يحصل لي مراراً دون أن أضع يدي بيقين على أسبابه…

أيكون ذلك لأن هذه القطرات تغسل الحياة من حولي، فيعود كل شيء ناصعاً بّراقا كأنه خُلق من جديد، في مشهد محبب لأرواحنا الرّازحة تحت طبقات كثيفة من غبار الحياة وكَبَدها، فتنفض هذا الغبار كما ينفضه العصفور حين يبلّله المطر..

أم هو لجمال الماء في ذاته، كونه يمثل رمز الحياة وسرها العظيم، فرؤيته يتساقط بهذه الهيئة يبعث الحياة في نفوسنا المجدبة…

أم لأن انسكاب الغيث بهذه الصورة الغزيرة يمثل تجسيداً لصورة من صور الرحمة والكرم الإلهي حين يأمر هذا الرب العظيم برزق مليارات الكائنات التي تعيش من حولنا وتحتنا وفوقنا منتظرة هذه القطرات! تعلمون أن غيرنا من الكائنات لا تملك محطات تحلية مياه ولا تشتري الماء من المراكز التجارية… إنها مشاهدة الكائنات حين يطعمها الرب ويسقيها سبحانه، تأمُّل بسيط في آثار المطر كفيل باقتلاع شجرة الإلحاد من جذورها… ولعل تجلّي صفات الرحمة في إنزال المطر أن يكون موضحا للسبب في كونه وقتا من أوقات إجابة الدعاء، إنها أبواب السماء حين تتفتح يا سادة!

أم يكون سبب هيجان مشاعري لأنني عشت أولى لحظاتي الجميلة مع حُبِّ حياتي تحت زخات المطر، حين خرجنا في تلك الليلة الشاتية المطيرة من ليالي الرياض- بعد أن صرنا زوجين وقبل الزفاف- فتسابقْنا تحت قطراته، ثم جلسنا سوياً في تلك الحديقة بعد منتصف الليل، فرفعنا أيدينا إلى السماء ولهجنا بالدعاء لرب المطر في بوح عذب مبتل برذاذ المطر أخرجنا فيه كل طموحاتنا ومخاوفنا ومشاعرنا…

المهم أن هناك انبعاثا للمشاعر يجتاحني كلما نزل المطر، يحثني حثا على الخروج ونيل نصيبي منه، وإن أردت أن تعرف ماهية المطر وانعكاساته على الكون فانظر إلى الأطفال كيف يفعلون به! ألا إن الأطفال هم المرآة الحقيقية لأحداث الحياة، مرآة صقيلة ناصعة لا تكذب أبدا…

في نزول المطر سنة نبوية معروفة نفعلها ائتساءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي كشف شيء من الجسد ليناله هذا الماء المبارك، وهذا ما ينقلني للحديث عن الحبيب عليه الصلاة والسلام والمطر…

ثمة حديث في هذا الشأن كان- ولا يزال- يثير عجبي وشجوني كلما تأملته، وهو في سياق ذكر تفاعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المطر، حيث جاء فيه: ” أَصَابَنَا وَنَحْنُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَطَرٌ، قالَ: فَحَسَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَوْبَهُ، حتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قالَ: لأنَّهُ حَديثُ عَهْدٍ برَبِّهِ تَعَالَى“…

يا ألله ما هذا الحديث وما أجمل مضامينه، ينزل المطر فيفرح به رجل لأن ارضه سترتوي ومحاصيله ستنمو، ويفرح به آخر كان يحمل هم ماشيته، لكن قلب الحبيب عليه السلام يدق لأجل سبب آخر، ينتفض قلبه بالحب ليس لأجل المطر، ولكن لأجل شيء مقترن به، شيء مرتبط بالحب الأعظم له في هذه الحياة صلى الله عليه وسلم، ألا وهو كون هذا المطر حديث عهد بالله، في مشهد مكثف الدلالة على المقامات القلبية السامية التي عمرت قلب النبي صلى الله عليه وسلم تجاه ربه عز وجل، هذا حب حقيقي، حب أصلي، ألا ما أجمل الحياة مع الله، وما أجمل حبه سبحانه.

ختاما: هل اشتهيت أن تعيش مثل هذا الحب؟ أن تجرّب هذه السعادة وهذا الجمال؟ ثمة أسباب كثيرة واردة في الوحيين لنيله من أهمها التفكر في جماله وجلاله وكريم صفاته سبحانه، ولكن أوصي نفسي وإياك بإحدى أفضل هذه الطرق وأخصرها: الدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.

ختاما: ماذا عنكم يا أصدقاء متفكر؟ وما مشاعركم حين تواجهون المطر؟

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s