وداعا أيتها الدكتوراه✋🏻

الحمد لله، أما بعد:

ففي آخر عهدي بك يا مرحلة الدكتوراه، أشعر أنه لا يليق أن أطويكِ كمرحلة من حياتي دون أن يكون لكِ مني بعض كلمات من عفو الخاطر -دونما ترتيب ولا تنسيق- نختم بها رفقة درب استغرقت أكثر من خمس سنوات كاملة من عمري، وإنها لجزء جسيم لا يستهان به من أغلى ثروة عند الإنسان…

تعلمين أني استهللت علاقتي بك باعتبارك واجباً وظيفياً مفروغاً من إلزاميته ووجوبه بحكم عملي في السلك الأكاديمي، ولقد كان هذا عنصر إثقال بمفرده كما لا يخفى على أي بشري متفكر…

لكن العلاقة بيننا كانت تتحسن كلما استحضرت النيات الصالحة التي يمكنني استثمارها من وراءكِ، هذا غير ما كنتِ تخفينه لي من مفاجآت جميلة وفوائد جديدة غير داخلة في المكاسب التي كنت أستشرفها، ومن أهم هذه المفاجآت: ضعف النفس البشرية وتقلباتها.

لطالما كانت نفسية طالب الدراسات العليا معرضا متكاملا لتقلبات النفس البشرية وأطوارها، معكِ ذقت طعم القلق… القلق من المستقبل، القلق من عدم القدرة على الإنجاز، القلق من نفاد الوقت، وفي معيتك شعرت بمطارق الإزعاج، حينما تنهال علي من كل حدب وصوب أسئلة الناس كلما لاقوني: كيف البحث معاك؟ ولأجلكِ تألمتُ مراراً من تأنيب الضمير كلما أصابني بسبب ابتعادي عن أولادي أو زوجتي أو والديَّ لأجل عكوفي عليكِ، وأخيرا تجرّعت الحزن حين توفي والدي رحمه الله العام الماضي قبل فراغي منكِ وقد كان أكثر شخص في العالم يترقب وصولي لخط النهاية 😭، المحصلة هي خليط لا بأس به من القلق والإزعاج وتأنيب الضمير والحزن خلال هذه السنوات، هل بقية طلاب الدراسات العليا هكذا؟ ليس بالضرورة طبعا.

هل تعلمين أني نظّمت جدول نومي واستيقاظي ومارست الرياضة لأجلك! لأجل أن تنتظم مراحل يومي فأتمكن من استدامة إنتاجية معينة معكِ، وهل تعلمين أني -في أوقات أخرى- أصبحتُ فوضويا في نومي مشغولاً عن رياضتي انشغالاً بكِ أيضا!

لا أظنني سأنسى لحظات وصلت فيها معكِ إلى حالة من الطرب والسرور عندما كنت أشعر بأني أبدعت في تحريري لبعض المباحث، ولكنني لن أنسى كذلك أوقاتاً أخرى انغمست فيها بشكل فقدت معه الإحساس بجودة ما أكتب! يا ترى أحَسَن هو أم قبيح…

كنتِ سببا للاكتئاب في بعض الأوقات، وسبباً للسعادة والشعور بالإنجاز في أوقات أخرى.

نعم، صحيح أنكِ سببتِ لي آلاما لا بأس بها للرقبة وأعلى الظهر، ولكن ذلك كان سبباً من جهة أخرى إلى تعلمي لرياضات الرقبة والظهر اضطراراً.

معكِ دخلت عالم القهوة من أوسع أبوابه، عرفت (الكورتادو) و(الفلات وايت)، والفرق بين (اللاتيه) و(الكابتشينو) بعد تجاهلها لعشرات السنين، وصرت خبيرا في تذوق نكهة الفستق، و(باريستا) صغيرا بين إخواني وأهلي، ومن يدري.. فقد أفقد هذه المهارات من جديد لانتهاء علاقة المصلحة التي ربطتني بالقهوة..

لن أخفي عليكِ، لقد داهمتْني أوقات شككت فيها حقا بقدرتي على إكمالِك، لكن ذلك فتح لي أبوابا مواربة في الاستعانة بالصلاة والتبرؤ لله من الحول والقوة كانت مغلقة قبل ذلك بحجاب التوكل على النفس وما يسمونه ب(الثقة في النفس).

معكِ ومع المنهجية والعديد من الأمور الإجرائية الفارغة شعرت صدقاً بعمق المقولة المنسوبة للخليفة الراشد علي رضي الله عنه: “العلم نقطة كثّرها الجهلاء”، ولكن معك- ومن جانب آخر- عرفت معنى عمق العلم وغزارته، وتفاهة من يتكلمون في غير تخصصهم، والضرورة والحاجة الماسة للتخصصات الدقيقة في كل علم…

في طريقي إليك تعرفت على أناس جدد، وأصدقاء جدد، وبعضهم بلغ مني مبلغا عاليا، فلك الشكر على هذه الصداقات…

لست الأكثر تعباً ولكني تعبت، ولست الأكثر اكتئاباً ولكني اكتئبت…

شكرا أيتها الدكتوراه، فلقد استغللت معك أوقاتا ما كنت لأستغلها بدونك، وشكرا ثانيةً أيتها الدكتوراه، فلقد تمهّرت معك في سياسة نفسي بالمكافآت، حتى صار بعض أصحابي يصفني بفقه النفس…

الوداع أيتها الدكتوراه، لقد كنت لي نعم العذر ونعم الدرع أمام كل الالتزامات الاجتماعية المرهقة والمتعبة التي لا أحبها، والآن، وبعد إنجازك ستكونين وسيلة ابتزاز لا بأس بها (لمن أمون عليهم) هذه الفترة، احتفالا بفراغي منك، عشوات، مطاعم، عطور… الخ

طوبى لكم يا طلاب الدراسات العليا في كل مكان، سيأتي وقت تصلون فيه لخط النهاية، وتنظرون لما وراءكم غير مصدقين أنكم قطعتم هذه المسافة، طوبي لكم اللحظة التي تتحول فيها كل هذه المعاناة إلى ذكريات، طوبى لكم اللحظة التي تبشرون فيها أولادكم بنيلكم الدرجة فينظرون إليكم غير مستوعبين ثقل هذه اللحظة ورونقها😆، طوبى لكم كل ذلك.

وماذا عنكم أصدقاء متفكر؟ هل تفكرون في إكمال الدراسات العليا؟ أخشى أن يكون الكلام في الأعلى قد أثر عليكم سلبا! 😅، علماً أن متفكر سيعمل -بإذن الله-على محاولة اعتصار درجة الدكتوراه إلى أقصى حد للخروج منها بكل ما يمكن تحصيله من مشاعر إيجابية سداداً لديون نفسه عليه!

خاتمة: اجتاز كاتب هذه التدوينة مناقشة الدكتوراه بنجاح قبل أسابيع، وكانت بعنوان: (القواعد الدستورية والنظامية لتحقيق مبدأ التعايش السلمي في المملكة العربية السعودية) دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، تحت إشراف د. تاج السر عبد المطلب فقير حفظه الله، وقد حصل على تقدير ممتاز ومرتبة الشرف الأولى.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


8 آراء حول “وداعا أيتها الدكتوراه✋🏻

  1. خيرًا فعلت إذا لم تراودك هذه الأفكار قبل الشروع في الرسالة لأن تلك الافكار تحمل بين طياتها أن الطريق للوصول إلى النهاية به من الألغام والأوحال مايجعلك تتوقف عن المغامرة والمجازفة
    لكنها الهمة العالية جعلتك تشمر عن ساعديك مستعينًا بالله ممتطياً صهوة جوادك حاملًا لواء العلم حتى تمكنت من عبور ذلك النفق الطويل وأضأت الطريق لمن خلفك من الباحثين عن الحقيقة أو جزءً منها
    وأنا على يقين أنك وجدت لذة لا تضاهيها ملذات الحياة القائمة على إشباع الشهوات والغرائز
    حتما الدكتوراة ليست نهاية المطاف بل هي محطة على الطريق للوصول إلى تحقيق توصياتها تحقيقا للمصلحة العامة

    Liked by 1 person

    1. صحيح يا عم شاهر، أحيانا يخفي الله عنا بعض المتاعب لأننا لو علمناها من بداية الطريق لما شرعنا فيه.
      ونعم صحيح، لذة العلم أمتع بكثير من إشباع الشهوات والغرائز.
      شكرا على مرورك، وعلى كلامك المليء بالدرر والجواهر.
      شكرا يا صديق الوالد 🌹

      إعجاب

  2. ما شاء الله تبارك الله مبارك حصولك على درجة الدكتوراه
    و رحم الله والدك و غفر له
    بلغتَ الكمال و القمّة او قاربتهما يا دكتور اما انا فلازلت في بداية الجبل و بداية الصعود و لا اظن ان احدًا واساك على تعبك و هنّأك على انجازك بقدري في كلامي هذا😅
    اما بخصوص سؤالك فنعم بإذن الله سأكمل دراسات عليا.

    Liked by 1 person

  3. على الرغم من كل الجهد والتعب والقلق الذي عشته من أجل نيل هذه الدرجة إلا أنك بكل تأكيد قد حصلت على نتاج رائع وهو حصولك على هذه الشهادة العلمية وتنظيمك لوقتك وممارسة الرياضة، فإني اتوقع انه لو إفترضنا جدلا أن الزمان عاد للوراء وسئلت على خوض تجربة الدكتوراه من جديد فأنك بالتأكيد ستوافق، فإن الوقت الصعب سيمضي ويبقى الانجاز.
    وكما قال المتنبي:
    عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ.
    رحم الله والدك وأسكنه الفردوس الأعلى

    إعجاب

  4. الانسان عندما ينظر لنتاج تعبه الذي سيحصل عليه بإذن الله لن يوقفه الطريق الوعر والصعب خصوصًا اذا كلن هذا التعب لأجل العلم ، قال صلى الله عليه وسلم:( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا الى الجنة) ، فهذا الأجر والنتيجة الأخروية ، وكذلك لا يخفى النتيجة الدنيوية من رفعة بهذا العلم ورفع الجهل عن النفس وابتغاء وجه الله بذلك والرُقي في أعلى المراتب والمناصب لا سيما اذا استحضر الانسان في طلبه نية رفع الجهل عن النفس وعن الناس
    قال الشيخ صالح العصيمي -حفظه الله- :
    ونيةٌ للعلمِ رفعُ الجهل عمْ عن نفسهِ فغيرهِ من النَسمْ

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s