نظرية الحلوى

الحمدلله، هذا أب يحب ابنته، ويحب أن يلبي لها طلباتها…

يطلب الأب من طفلته أن تتفقَّد نفسَها، فإن اشتهتْ نفسُها شيئا فلتطلبْه منه، قلنا إنه يحبها قبل قليل، أليس كذلك! فتطلبَ منه الحلوى، الكثير والكثير من الحلوى، فهي أحب شيء إليها في الحياة، والذي لا تعرفه طفلتنا البريئة أن التهامها لهذا القدر من السكريات الصناعية محفوف بالأضرار لأسنانها وصحتها النفسية والبدنية، وقد تعرف ذلك إجمالا لكنها لا تستطيع أن تستوعبه على الحقيقة، قلنا قبل قليل إنها طفلة، أليس كذلك!

يبطئ الأب- حبا لها- عن تلبية رغبتها في هذه الأرتال من الحلوى، فتتبرم الصغيرة ويسوء ظنها به، أليس قد طلبتني أن أسألك! فهذا سؤلي.. وهل يمكن أن تكون هذه القطعة اللطيفة، فاتنة اللون، بهيجة المنظر، حلوة المذاق، شراً لي يا أبت! (في الحقيقة طرحت الثريا عليّ هذا التساؤل أيضا وعيناها تفيض تعجّبا قبل أسبوعين)

يقول لها الأب: دعينا من هذه الحلوى وسأعوضك خيرا منها، فتتركها الطفلة وقد فهمت من موعود أبيها أن العوض سيكون عبارة عن حلوى أكبر حجما وأكثر عددا!

يأتي لها الأب بأشياء أخرى كثيرة عوضا عن الحلوى، غرفة نوم زاهية، ملابس مشرقة، معلمة منزلية، فلا تنتبه لها! لقد انصب تركيزها على ما حصرت عقلها فيه، حلوى أخرى أكبر حجما بكثير!

تقول لها أمها مواسيةً: لقد اختار لك أبوك ما هو خير لك!، فتأبى الطفلة وتقول: أريد أن يكون الخير في الحلوى!

بعد ذلك زهدت الطفلة في الطلب من أبيها، محتجة بأنها جربت أن تدعوه فطلبت منه الحلوى وألحت في ذلك فلم يجبها! بل وبدأت تجحد صنيعه معها في البيت الذي أسكنها إياه، والطعام الذي ألقمها إياه، والكساء الذي ألبسها إياه، والعائلة والأم وكل شيء آخر، بسبب أنه لم يأت لها بالحلوى.

صارت تنظر بحسرة وتحسف إلى الأطفال الآخرين ذوي الحلوى الوفيرة وترى نفسها أميرة البؤس…

ألا ترون إلى مشكلة هذه الطفلة؟ لقد حصرت رغباتها في الحلوى، وحصرت الخير كله في الحلوى، وهكذا نحن في علاقتنا بالدعاء، لطالما آمنت بأن حياتنا لا تختلف عن حياة الأطفال من حيث الجوهر…

كثيرا ما نطلب الله بعضا من الحلوى، سواء كانت هذه الحلوى عبارة عن سيارة باهظة الثمن، أو وظيفة عالية المرتب، أو علاقة بشخص نرجو الخير من وراءه، وقلوبنا متعلقة بها كتعلق الأطفال بالحلوى، لكنها في حقيقتها ذات ضرر غالب على نفعها علينا نحن بالذات، فيرحمنا الرحيم بمنعها، (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)… يخلب لبّي في هذه الآية ختامها: أنه يعلم، وأننا لا نعلم! ليس بالضرورة أن يقدم لك الرب كشف حساب بكل الأضرار والسلبيات التي لأجلها منعك من تحصيل ما أردت! وإلا فلست عبدا على الحقيقة، بل يكفيك أنه ربك، يكفيك أنه عليم حكيم، خبير حميد، لكي تطمئن نفسا وتشع رضا بما منعه عنك كما تشع رضا بما أجابك إليه، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون العوض عما طلبت هو عين ما تتخيله بسبب قصر نظرك! قد يكون العوض في صورة تلذذ بالعبادة! أو محبة في قلوب الخلق! أو طمأنينة في النفس! أو غير ذلك من خزائن أفضاله الملأى.

تذكر حين تدعو أن هناك مسافة شاسعة بين الخير والشر في حقيقة الأمر وبين ما ترجوه وما ترهبه، وأنه لا تلازم بينهما ألبتة إلا في عقول الأطفال، سواء كانوا أطفالا حقيقيين أو كبارا لكنهم بعقول أطفال، روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو فهتف به هاتف : إنك إن غزوت أُسِرْتَ وإنْ أُسِرْتَ تَنَصَّرْتَ!، وهذا المعنى متواتر في واقع الناس على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم: أن يأتي الأمر المكروه ثم تكون عاقبته جميلة، والعكس.

اللهم لا تجعل علاقتنا بك وبدعاءك كعلاقة هذه الطفلة مع أبيها، بل املئها بالعبودية والخضوع، والاستسلام والتفويض، وحسن الظن وصدق التوكل، حتى نكون ممن حقق حديث: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا)، فإن الرضا به ربا يستلزم الرضا بأفعاله وكل ما يقدّره لنا، وتلك هي السعادة الحقة.

ختاما يا أيها المتفكرون: لا تكونوا حلوائيين!

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


4 آراء حول “نظرية الحلوى

  1. مساء الخير يامتفكر، ما اجمل براءة الثريا هذه وبراءة الاطفال جميعًا فهم فعلا لا يعلمون حجم الضرر البالغ من هذه الحلوى فإبنة اختي كلما اردتها ان تأتيَ إليّ أغرَيتها بالحلوى 😅، حفظ الله اطفالنا من كل سوء ومن كل مضرة كانت صغيرةً او كبيرة، حمدًا لله ان هناك بدائل كثيرة لهذه الحلوى الضارة كالحلوى العضوية فليس فيها سكر او منكهات صناعية ولها طعمٌ رائع 👍🏻

    إعجاب

  2. ومما يساعد على أن لا نكون حلوائيين.. هو تذكر الأصل واستحضاره دومًا أننا في مرحلة الاختبار ليس الجزاء الأوفى، نعم لنا بشريات عاجلة ما دمنا مؤمنين(تلك عاجل بشرى المؤمن) لكن لا مقارنة البتة بين جزاء الدنيا والآخرة، وهذا البون بين الجزاءين جعل خيار الخلق بعد الرسل-أعني الصحابة- يرجون أن لا يعجّل لهم شيء من هذا في الدنيا بل كله في الآخرة ..
    كما في فعلت الصدّيقة بنت الصديق لما أحسنت إلى امرأة فكانت كلما دعت المرأة لأم المؤمنين ردّت عليها بمثلها لئلا يكون قد حصلت على الجزاء هنا.. وكذا بكاء الصحابة بعد غزوة وجهاد وقتال مع الأعداء لما وقعت قطيفة حرير في يد أحدهم بكى خوفًا من أن يكون قد جُوزا بجهادهم وقتالهم في الدنيا..
    ختامًا أدعوك أيها القارئ الان الان الان أن تذهب وتقرأ معنى قوله تعالى(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتًا من أنفسهم) ما معنى: تثبيتًا؟

    إعجاب

اترك تعليقًا على ريناد قاسم إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s