الحجاب والحرية

(لسماع التدوينة صوتيا 👇🏻)

https://open.spotify.com/episode/6QztpHUfKS47M9GanoA29V?si=ea52d5b529274ef4

بسم الله، من يتأمل في حركة المجتمعات وتاريخها يلحظ أن هناك مواسم يقوى فيها إقبال الناس على الخير أو على بعض الطاعات، وأخرى يشيع فيها تهالكهم على الشر أو بعض المعاصي!

ومن يتفكر في المجتمعات- من زاوية أخرى- فإنه سيكتشف أن امتثال الأوامر الشرعية يَسْهُل كثيرا على المؤمن ويخفُّ عليه عندما تندمج هذه الأوامر مع عادات المجتمع وتقاليده فتترسّخ فيه وتتجذّر، بخلاف مالو كانت تلك الطاعة مهجورة في هذا المجتمع أو غير مألوفة لديه؛ فهنا يواجه صاحبها بعض الصعوبات في التزامها.

بناءً على ما سبق؛ فلقد ظلت المرأة المسلمة في مجتمعنا لا تكاد تجد أي إشكالية تذكر في التعبد لله بارتداء الحجاب- بخلاف بعض نظيراتها المسلمات في شرق العالم وغربه ممن يلاقين ضغوطات عند تحجبهن- وذلك لتوريث الأجيال السابقة الأجيال اللاحقة هذا الإرث الثمين، إلّا أن هذا الإرث قد بات مهدّدا الآن!

ولقد حكى الله لنا في القرآن مشهدا عجيبا في الابتلاء، حين كان الصحابة مُحرِمِين، ونفائسُ الصيد تتقافز تحت أنظارهم فيمتنعون عن اقتناصها طاعةً لله وخشيةً له (ومن جرّب الصيد فإنه سيتخيَّل كيف كان وقع هذا المنظر على الصحابة)، حيث يقول الله عن ذلك: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم)، فالحاصل أن هذه حالة تمر بالفرد المؤمن، وتمر كذلك بالمجتمع المؤمن، على ما قضت به سنن الله من تمرير الناس بالاختبار تلو الاختبار، (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)! حين يستمكن الإنسان من إتيان معصية ما، ويصبح كامل الحرية إزاءها، وإني لأحسب أن النساء يخُضْن الآن هذا المعترك الإيماني؛وذلك لضعف عدد من العوامل الاجتماعية التي كانت تمنع الراغبة في خلع الحجاب من خلعه، مثل الرفض الاجتماعي، ورفض أفراد الأسرة.

في ظل الاعتبارات السابقة أحب أن أدون بعض التفكرات لكل فتاة تحب التفكر:

أولا: هذه الأحوال هي فرصة لك أيتها الفتاة من أجل تخليص عبادتك (عبادة الحجاب) من كافة الشوائب التي يمكن أن تشوبها، فالآن أنت خليّة عن كل تلك العوامل التي كانت تؤدي بك إلى ارتداءه وأنت معرضة عنه داخليا. اليوم أنت ترتدين الحجاب حبا لله وطاعة له بغض النظر عن بقية المجتمع، سترتدينه وأنت تستحضرين نظر الله إليك، ولا أحد سواه، إن هناك لذةً واصطفاءً إلهياً حين المرابطة على عبادةٍ وخيرٍ حال إدبار الناس عنه فإياكِ أن تضيعيها، وقد قال الحبيب عليه الصلاة والسلام: “عبادة في الهرج- أي الفتنة- كهجرة إلي” وإني لأحسب أننا نعيش هرجا واضحا الآن في موضوع الحجاب وأحكام المرأة المسلمة إجمالا، فأين المهاجرات إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم! وحُقَّ لمن تحافظ على حجابها الآن كما كان أن تفرح وتسرّ وتطرب به كما يطرب الأبطال!، فإن الفرح بالعبادة هو عبادة في حد ذاته، (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فيلفرحوا).

ثانيا: أيتها الفتاة، لا ينظر الله إليكِ فيرى أن أمته فلانة ألقت بحجابها أو نقصت منه بمجرد أن واتتها الفرصة وبمجرد أن شعرت بأن المجتمع حولها تخفف منه، والله إنه لمنظر قبيح يبعث على الحرج والحياء من هذا الإله الذي يغرقك بالنعم!
ثالثا: أيتها الفتاة، ألا تشعرين بالمفارقة المحزنة في كون أعداد هائلة من النساء المسلمات يعشن في حالة أوبة للحجاب واحتفاء به بعد عقود من الاستعمار والهجوم الإعلامي المتواصل ثم يصير الحال معكوسا في بعض المجتمعات بحيث نرى نكوصا في أوساطها عن هذه العبادة التي باتت رمزا للإسلام! من كان يعبد مجتمعه، فإن المجتمعات تتغير وتتبدل، ومن كان يعبد الله؛ فإن الله حي لا يموت، وأحكام شرعه باقية على ما هي عليه من عزة ورفعة لمن التزمها.
رابعا: أيتها الفتاة، أظنك أذكى وأعلم من أن ننخدع للمرة9999 باستراتيجية الشيطان الشهيرة: التدرج، التي سماها الله خطوات الشيطان، فلئن كان حجابك الآن كاملا فلعل الشيطان يوسوس لك في شيء من توسعة فتحة العينين بحيث تظهر الوجنتان أو الجبين، ولئن كنت ترتدين نقابا متراخيا فالذي يغلب على ظني أنه يوسوس لك الآن في كشف الوجه، وإن كنت وصلت لمرحلة كشف الوجه فالمتوقع أن الوسوسة حاليا تدور حول إظهار بعض ناصية الرأس أو إضافة شيء من المناكير والميك أب (وهذا الأخير على درجاااااات لا أحصى آخرها) إلى آخر التدرجات الشيطانية العميقة والخبيرة جدا بواقع النفس البشرية، فالحاصل أننا لا نجد- في الغالب- امرأة كانت محجبة حجابا كاملا ثم ألقت بالحجاب دفعة واحدة! لأن هذا السقوط المريع تأباه النفس المؤمنة، وإنما يبرع الشيطان في التدرج البطيء، الذي يخفُت معه لوم النفس رويدا رويدا حتى تعتاده ثم ينتقل بها للمرحلة التالية! وقد يستغرق هذا المسلسل سنين عددا بحسب يقظة الفتاة وأوبتها، لكنه منهج ناجح للأسف!

خامسا: أيتها الفتاة، لا أظن الأمر يحتاج إلى غزير علم أو واسع عبقرية حتى تدركي أن الحجاب شرع لستر المرأة وحمايتها وحماية الرجال من حصول الفتنة، فهذا أمر قد فهمه الكفار فضلا عن المسلمين، فلسنا محتاجين إلى عقد مجادلات بيزنطية عن حكم كذا وكذا من تفاصيل الحجاب مع وضوح مقصد الشريعة الأساسي من فرض الحجاب، ولئن نص الله على حرمة الضرب بالخلخال، (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، وهو مجرد صوت قد يحدث افتتانا في نفوس بعض الرجال، فهل يحتاج الأمر إلى عبقرية فذة لمعرفة أحكام عدد من الأفعال التي صارت الفتيات يفعلنها الآن وهن محجبات في الظاهر!
هناك من تتساهل في التفريط ببعض الحجاب. وهناك من لا تكتفي بذلك حتى تضيف إليه طامّة شرعية أخرى، وذلك بالتفنن في إضفاء ألف زينة وزينة، وقد قال الحبيب عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية)

سادساً: أيتها الفتاة، هل ترين هذا الوجه، وهذه القدم وهذه الرقبة التي تفرحين بإبداءها اليوم؟ فإن الله قد حكى لنا في القرآن عن قوم تنقلب عليهم جلودهم وجوارحهم شهودا عليهم، (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء)، (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)، فاللهم نعوذ بك من أن نكون منهم.

سابعا: أيتها الفتاة، الثبات الثبات؛ تمسُّكك بالحجاب الآن يقوي العزم ويشد الأزر لكل فتاة حولك من صديقة أو أخت أو جارة، والعكس بالعكس، فإن الناس تتأثر ببعضها، لا سيما فئة المترددات ممن يعشن حاليا مرحلة صراع داخلي بين الثبات على الحجاب أو الهزيمة أمام النفس الأمارة بالسوء والرفيقات المتمردات على هذه الشرعة المطهرة.

ختاما: نداءان للفتاة التي فرّطتْ في حجابها:

أيتها الفتاة، لئن نجحت شياطين الإنس والجن في تبديل حجابك في الظاهر، فلا تسمحي لها بزعزعة إيمانك بفرضية هذه العبادة العظيمة واحترامها، فإن الإيمان بالمحكمات الشرعية على ما هي عليه هو عبادة وواجب شرعي في حد ذاته، وقد جاء في السنة: “أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: أرَأَيْتَ إذا صَلَّيْتُ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلْتُ الحَلالَ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ، ولَمْ أزِدْ علَى ذلكَ شيئًا، أأَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قالَ: نَعَمْ”، فتحليل الحلال البين وتحريم الحرام البين من الأمور التي لا ينبغي التلاعب بها أمام الله.

أيتها الفتاة: حتى لو تركتِ الحجاب؛ فلا تتركي الاستغفار في كل آن وحين، حتى تكوني أقرب إلى عفو الله، ولا تضمّي إلى ذنبك هذا ذنبا آخر أسوأ منه، ألا وهو المكابرة والتأويل واللف والدوران، فإن المؤمن كلما كان معترفا بذنبه كان أقرب إلى الله، ولا شك أن التبرّج مع الاستغفار خير عند الله من التبرج المصحوب بالإعراض والمكابرة، وقد قال شيخ الإسلام: “الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع”، ولعلك تضيفين إلى الاستغفار دعاءك الصادق؛ فتغمرك الإعانات الإلهية ويصبح الحجاب أسهل شيء عليك وأحبه.

في الحقيقة، التفكرات حول الحجاب كثيرة، ولكني سأكتفي الآن وأنقل الميكرفون لكم يا أيها المتفكرون! ونعم تذكرت! لا تنسوا نشر هذه التدوينة🌹

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


6 آراء حول “الحجاب والحرية

  1. جزاكم الله خيرا د. عبدالله وبارك في وفي قلمك ونفع بك.
    كلمات رائعة ، وفكر جميل وفيه تأصيل ، سددك الله وزادك من فضله.

    إعجاب

  2. مقال رائع، في الحقيقة ما نراه اليوم بأعيننا في مجتمعنا وما آل إليه الحجاب الشرعي و عرضته لفخ الموضة لشيء محزن، واعتقد أنها من استراتيجيات الشيطان،كما تفضلت.

    إعجاب

  3. جزاك الله خير على هذه المدينة 🌹
    إن أكثر ما أراه شخصياً من حملات التغريب هي إستهداف الإحتشام المرأة المسلمة، وهذا الاستهداف غريب جداً، فلمَ محاولة فرض توجهات تخالف قيم المجتمع؟!
    وللأسف أرى أنهم نجحوا بعض الشيء في حملاتهم في ذلك.
    ولكن يقع الدور على المرأة المسلمة في مجابهة ذلك والثبات على الحق ويقول صلى الله عليه وسلم “يأتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار” ومن أكثر الأدعية المأثورة “اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”
    فبلا شك أن يلتزم في هذا الزمن ينل أجر أداء الواجب وأجر النبات.

    إعجاب

  4. جزاك الله خير على هذه المدونة 🌹
    إن أكثر ما أراه شخصياً من حملات التغريب هي إستهداف الإحتشام المرأة المسلمة، وهذا الاستهداف غريب جداً، فلمَ محاولة فرض توجهات تخالف قيم المجتمع؟!
    وللأسف أرى أنهم نجحوا بعض الشيء في حملاتهم في ذلك.
    ولكن يقع الدور على المرأة المسلمة في مجابهة ذلك والثبات على الحق ويقول صلى الله عليه وسلم “يأتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار” ومن أكثر الأدعية المأثورة “اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”
    فبلا شك أن يلتزم في هذا الزمن ينل أجر أداء الواجب وأجر النبات.

    إعجاب

  5. هناك من يقول ليس للدعاة والمصلحين هم إلا الحديث عن المرأة والحجاب..
    ‏ونقول:
    ‏وهذا هو الواجب؛ لأن بنات اليوم عن أمهات الغد، وبصلاحهن تصلح أجيال.
    ‏ولأنهن أكثر من الرجال في هذا الزمن، ولأن هناك من المنافقين من يريد إخراج المرأة عن عفتها وحجابها وحياءها، ويدعو للتبرج والاختلاط والتمرد.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s