حوار مع السيدة الوالدة (2)

بسم الله، في التدوينة الماضية حوار مع أمي الغالية (1) قمت بتخليص بعض الجوانب من حياة أمي، وها قد حان الوقت لطرح أسئلتكم عليها..

الطريقة: قمت بسرد أسئلتكم كما طرحتموها في قناة متفكر، ودمجت المكرر منها، وسجلت إجابات الوالدة عليها صوتيا، كي تأخذ راحتها بالكلام بشكل عفوي ودون تكلف، ثم عدت لاحقا فسمعت هذه الإجابات وقمت بصياغتها على شكل نصوص مكتوبة بلغة فصيحة يفهمها جميع القراء من مختلف الجنسيات، وهذه أول مرة في حياتي أقوم فيها بعمل حوار وتفريغه، وأرجو أن أكون قد قمت به بشكل معقول.

ربى تسأل: ما نظرتك لزوجات أولادك، وما أسباب اضطراب العلاقة بين الحموات وحريم الأولاد؟

أعتبرهن بمثابة بناتي، فما أريده لبنتي أريده لهذه المرأة التي جاءت من بيت أهلها واختارت أن تكون زوجة لابني، وكما أني تعبت في تحمل مسؤوليات بيتي وزوجي وشعرت بالحاجة للمساندة، فهن كذلك يمررن بنفس الشعور، الناس ليسوا محتاجي إلى طعام وشراب، لكنهم يحتاجون إلى معاملة طيبة، لقد مررت بذات المرحلة وأعي جيدا مدى حاجة المرأة إلى حسن المعاملة، وكيف تؤثر عليها الكلمة السيئة وتكسر أجنحتها، فكنت دائما أقول لنفسي أن ما مررت به في الحياة من مواقف سيئة لن تتكرر مع نساء أولادي، وبالنسبة للأسباب فهي الجهل ونقص العلم، وعدم الخوف من الله، والإنسان يخشى إذا تعامل مع أحد بسوء أن يرى ذلك في بناته ومن يعز عليه، فالجزاء من جنس العمل، وهذا النوع من الديون يرد بسرعة فيما نراه فيما حولنا.

مادز: ما منهجُ تربيتها الذي سلكتهُ حتى اوجدت لنا شخصًا مثلك يا د.عبدالله ؛ فأنت نعمَ الاستاذ و نعمَ المُربي و المُفهّم (الأخ يبالغ طبعا)

أمي: ليس عندي منهج منتظم شديد في ذلك، لكني كنت واثقة أن ربي هو الذي يقودني ووظفني في هذا الموضع الذي كنت فيه كزوجة وأم في هذا المنزل، حتى إني أذكر أننا في مرحلة المتوسطة في مادة التعبير سألونا سؤالا عما تريدي أن تكونيه في المستقبل؟ فأجبت: أريد أن أكون ربة منزل، لا أدري كيف وضع الله هذه الرغبة في قلبي، لأني لم أتلق هذا من أحد، فقد كنت يتيمة الأب، وأمي إنسانة أمية، فلم أكتب أمنيتي أن أكون طبيبة أو مدرسة ونحو ذلك مما ينبهر به الفتيات وقتها، فهذا شيء وضعه الله في قلبي، وهو ما قد حصل في المستقبل، ولطالما كنت سعيدة بأولادي والمحافظة عليهم، أيضا كنت حريصة على طاعة زوجي وبالتالي لم يكن الأولاد يرون شيئا من الاختلافات والصراع تحدث أمامهم.

وما اهم نصيحة تُقدمها لنا نستغل بها عُمر العشرينات؟

استعينوا بالدعاء في زمن الفتن، الدعاء له أثر كبير على حياة الإنسان، لا زلت أذكر إلى الآن أن فترة إرضاعي لعبد الله كانت كل أنواع الدعوات تأتي في خاطري، وكأني كنت أقول: يا رب كما رزقته هذا الحليب من صدري فارزقه كذا وكذا… إلخ، وهو الوحيد الذي حظي بهذا الكم الكبير من الدعوات التي ألهمني الله إياها عند إرضاعه رغم أنه الثالث في ترتيب إخوانه.

فالله يعطي أي شيء، لكننا كثيرا ما نقصّر في الدعاء وقوة الطلب من الله.

وكيف تصف رحلة الحياة و ما أهم الدروس التي تعلمتها؟

نحتاج أن نخصص وقتا من حياتنا لشكر الله على هذا الكم الهائل من النعم، ونشغل وقتنا بالتفكر في هذه النعم، ففي هذا علاج ذاتي للنفس من كثير من الأشياء ويوصل إلى صفاء النفس، حتى الأشياء الكريهة التي تحصل لنا في الحياة نستطيع إذا تأملناها أن نخرج منها بشيء يكون هو الطاغي عليها فنكون نحن السعداء.

 هند: من أين أتت بهذا الهدوء والطمأنينة في النفس والكلام،؟

ليس شيئا من عندي، وإنما هو من فضل ربنا

ومن هي قدوتها؟

ليس في بالي قدوة معينة، لكني أستحضر بشكل عام أن النبي صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا جميعا، ومن بعده زوجاته أمهات المؤمنين.

نور الهدى: لماذا اخترت وظيفة ربة منزل على الوظيفة خارج المنزل رغم توفر المؤهلات؟

بالإضافة إلى أنه شيء وضعه الله في صدري، فقد كنت أستشعر أهميته، وأستشعر أني مؤهلة لهذا الشيء.

سلطان محمد: هل كان لها دعاء معين تلازمه؟

كلا، لم يكن لدي، لكن بشكل عام سؤال الله الهداية، وأدعو لأولادي بأن يجعل الله مشيهم في الحلال ورزقهم في الحلال وبطشهم في الحلال ونحو هذا

أبو عبد العزيز: ماذا تقولين لابنك وقد أصبح أبا ودكتورا مسؤولا؟

أسأل الله له التوفيق، وأن يستمر في طريق العلم، وأن يكون علما نافعا له وللناس.

حنين: كيف تتعامل والدتك مع الفقد؟

الفقد أمره شديد، لكن الإنسان عندما يرضى بالقضاء والقدر، فإن ربنا يرفع عنه كثيرا من هذا التعب، والجزء الباقي منه شفاني الله منه بالقرآن، فالاستعانة بالقرآن تداوي الجروح.

د. عبد الرحمن الروسي: ما أسباب عزوف الشباب والفتيات عن الزواج بعد البلوغ مباشرة؟

السبب هو انشغالهم بالحياة، في السابق كان سن الزواج أبكر، ولم يكن شيء يشغل عنه، فهو أهم هدف بالنسبة للأب والأم، الآن اختلفت الأهداف، وصار الأب والأم أنفسهم يحرصون على إكمال الجامعة قبل الزواج، فتغيّر ترتيب الأولويات، وأثّر على الشباب، فالوالدان لا يسمحان بزواج الأبناء والبنات إلا بعد الجامعة، أرى أن الأفضل أن يترك الخيار للأولاد.

(تعليقي: هذا الكلام من السيدة الوالدة ليس مجرد رأي، بل طبقته علينا- مع الوالد رحمه الله-، فأخي الأكبر محمد تزوج وهو في الثلاثينات، أما أنا وأختي فقد كنا تقريبا في الرابعة والعشرين، وأخي أحمد تزوج وهو طالب في الجامعة عمره 21 سنة، ومن أهم أسباب هذا التفاوت: اختلاف الرغبات والأولويات بين كل واحد منا)

محمد: لدي سؤال غريب ومثير بنفس الوقت، كيف للأُم الإلمام بكل ما يدور بحياة ابنائها وعدم النسيان رغم كثرة الأبناء وكثرة الأفكار واختلاف الاهتمامات بينهم والتوجهات وإعطاء كل ابن طريقته الخاصة التي تناسبه في الاهتمام او الأفكار أو الدعم و النصح في حياته وتوجهاته ولكل ابن تجد ان له طريقه خاصه واسلوب معين عند تعامله مع أمه يختلف اختلاف كبير عن إخوته ،، أمر مذهل جداً .

هذا يأتي للأم بتوفيق من الله، إذا كانت الأم تطلب من الله أن يلهمها دائما لقول الكلام الصحيح وأداء الفعل الصحيح فإن الله سيوجهها

ما رأيكم في تربية زمان وبما يسمى بالتربية الحديثة من حيث الايجابيات والسلبيات وايهما افضل برأيكم؟

تربية زمان كان مبدأ الطاعة فيها سائدا للكبار، وربما لم يكن يُسمح في كثير من الأوقات للصغار بإعطاء آرائهم، وفيها اهتمام كبير بالآداب والأخلاق واحترام الكبار، وكان لهذه الأمور أولوية، الآن أشعر أن الاهتمام بهذه الأمور صار أقل، وصار هناك تأثر بالحريات، لا سيما في النقاش مع الكبير، وبالنسبة لي- في مسألة الرد على الكبير- فقد اكتشفت أني حتى لو كنت محقة وكان هذا الكبير مخطئا، فرددت عليه وبينت خطأه، فإن الإنسان سيندم على المدى البعيد، وذلك عندما يرى الحرج والخجل وكسرة الخاطر في نفس الكبير، فالأفضل أن يتراجع الواحد ولا يصل لهذه الحدود.

R.a.s: كيف للإنسان ان يجعل الصبر ديدنه في جميع محطات الحياة؟

أن يكون الإنسان صابرا دائما فهذا صعب جدا، لا بد للإنسان من لحظات ضعف وإرهاق، لا سيما عندما تتوالى المصائب، الإنسان ليس بطلا مصنوعا من حديد حتى يستمر على نفس الوتيرة، الإنسان ضعيف (وخلق الإنسان ضعيفا)، ينبغي على الإنسان في بعض الأحيان أن يضع الحدود في علاقاته أو مسؤولياته ومن حقه أن ينسحب عندما يفوق الأمر قدراته، وربنا رحيم بنا.

هنيدي: لو خيروك بين التربية في الظروف الحديثة وتطورها، وبين التربية بالظروف الفعلية التي عاشتها في تربيتكم… فماذا ستختار حفظها الله..

سأختار الزمن الذي عشت فيه لأنه أفضل.

حسنا أيها الأحبة، بهذا قد أكون انتهيت من سرد أسئلتكم على الوالدة، والآن رددوا معي، وتذكروا أن للإنسان مثل ما دعا به لأخيه:

اللهم أعنها على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

اللهم احفظ عليها قرآنها وأمطرها ببركاته وحبب إليها تلاوته وتدبره آناء الليل وأطراف النهار

اللهم احفظها لأولادها واحفظ أولادها لها واكفهم شر شياطين الإنس والجن واجمعهم جميعا في فردوسك الأعلى بمحض رحمتك وكرمك.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


7 آراء حول “حوار مع السيدة الوالدة (2)

  1. مشاءالله تبارك الله اولا / طريقة طريقة طرح الاسئله كانت رايعه وشاملة بكل أمور الاسره وسلسة ٠
    ثانيا/ إجابة الام كانت رايعه وجميله وفيها حرص على كل
    مافيه مصلحه للأبناء وعفويه
    حبهالابنائها

    إعجاب

  2. أولا حفظ الله الام الكريمة وأمهاتنا جميعا…هذا من كرم الله أن نبهك لعمل شيء مميز كهذا الحوار الذي قمت به مع الوالدة، والله يوفقنا ونرد ولو جزء قليل من فضلهم علينا، أنا دائما أدع لوالديا بأن يحفظهما ويرزقهم حجة مبرورة في الدنيا وجنة الفردوس في الأخرة،هذا أقل شي ممكن أقدمه لهم.

    إعجاب

  3. مساء الخير يامتفكر ، تمنّيت لو طرُحت المزيد من الاسئلة ليكون هناك جزءٌ ثالث 😂🥹، اجاباتها فيها الكثير من الحكمة لا سيّما اننا في زمنِ الفتن ، زادَ فضولنا لمعرفة المزيد عن حياتها 🥹، حفظها الله لكم وادام عليها الصحة والعافية وعلى جميع امهاتنا ♥️♥️

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s