أين تذهب دعواتنا لهم؟

هكذا بدأ صاحبنا يتساءل بعد مرور فترة من الزمن عن جدوى دعواته، مشكلة صاحبنا تكمن في أمور، من أبرزها أنه يَحصر- لا شعورياً- طرق الله في التعامل مع الأمر بطريقتين أو ثلاثة، إنه بتفكيره البشري المحدود لا يعرف طرقا لتحسّن الأوضاع إلاّ أن يحصل كذا أو كذا، ويغفل عن أنّ طرق الله في تدبير أقداره وإجابة دعوات عباده أوسع بكثير، المشكلة الثانية عنده أنه غائص في غفلة كبرى عن أنواع من المصالح الشرعية والحِكم الإلهية العُظمى التي تتحقق الآن، لا يدري عنها ولم تخطر بباله، لأنه لا ينظر إلى المأساة إلّا من المنظور المادي المحسوس الذي يشاركه فيه أي آدمي في مشارق الأرض ومغاربها، ومن هذه المصالح العامة التي تتحقق الآن ما هو أثقل في الميزان الشرعي من ذهاب بعض النفوس!

والمقصود بالتدوينة هو التركيز على المشكلة الأولى، وإذا كانت كيفية إجابة الدعوات غير مقصورة على توقعاتنا الشخصية، بل تشمل جوانب أخرى متعددة مذكورة في الكتاب والسنة، فدعونا نسلط الضوء على بعض صور المعونة الإلهية التي أخبر الوحي عن حصولها في كل صراع يحصل بين الأخيار والأشرار، ومنها ما صرنا نراه رأي العين!

1- إنزال السكينة والثبات. فمن استجابة الله لك أيها الداعي ما تراه على كثير منهم من السكينة والطمأنينة العظيمة، وهذه السكينة مذكورة في القرآن في مواضع عديدة مثل قوله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) وهي مدد خالص من الله لا تلازم بينها وبين الأسباب المادية، قد تحصل للعبد رغم تكالب القوى الكونية كلها ضده، وقد يخلو منها قلب العبد ولو اجتمعت له كل أسباب القوة المادية، ولربما شعر بها بعضنا في أزمة كبرى عصفت به أو رآها في أحد حوله، وأعتقد أن كثرة من الأطباء النفسيين حول العالم سيكونون مفتونين بما يرونه على هؤلاء القوم من القوة النفسية الهائلة ويتمنون لو وجدوا له تفسيرا علميا، ولا شك أن السكينة والثبات من عوامل النصر الرئيسية في الصراع بين الحق والباطل مهما طال الصراع، ولذلك كان المؤمنون يدعون بها، (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا…فهزموهم بإذن الله).

2حفظ المؤمنين وحرف الطلقات عنهم. هل رأيت ذلك الرضيع الذي استخرجوه من تحت الأنقاض سليما معافى؟ هل تظنه نجى بالصدفة أم بمشيئة إلهية؟ فإن الله يقول: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) والمُطالِع لما يُنشر في وسائل الإعلام سيرى حالات نجاة عجيبة يلطف الله فيها ببعض هؤلاء رغم انهمار الضرر عليهم كالمطر، ولا يخطر ببال أحد أنها صدفة! فإنها متكررة وملحوظة بوضوح لمن يتتبعها.

3-تشتيت شمل المشركين وإيقاع الفرقة بينهم. من أسباب انسحاب المشركين في غزوة الأحزاب بعدما أحاطوا بالمدينة: ما حصل بينهم من اختلاف الرأي وما تبعه من الاختصام ومن ثم الافتراق، ولا تستطيع الدول تجاوز الأزمات والأوقات العصيبة بدون وجود قدر كبير من الالتحام والوحدة بين أفرادها، وانفراطُ جمعها في أوقات الأزمات مؤذن بفشلها، والواضح أن هناك أزمات داخلية خطيرة تعصف بدولة العدو، سواء بين الحكومة و الشعب، أو بين أعضاء الحكومة نفسها، ومن يستحضر أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الله جل جلاله كما جاء في الحديث، فلن يحتاج إلى كثير شرح!.

4-إلقاء الرعب في قلوب الأعداء. عندما نقض يهود بني النضير معاهدتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بإخراجهم رفضوا أمره، ولاذوا بحصونهم المنيعة واحتموا بها، فكيف أخرجهم الله! لقد أرسل لهم جنديا لا يمكن الاحتماء منه بالأسوار، حيث يقول سبحانه: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب)، ولا يختلف الخبراء أن الجانب المعنوي هو من أهم أسباب الانتصار والهزيمة في الصراعات، ولأجله تُعنى وزارات الدفاع في مختلف دول العالم بإنشاء أقسام للشؤون المعنوية، فهذا جندي من جنود الله اسمه: (الرعب)، يرسله الله متى شاء لنصرة عباده.

5- معونات أخرى لا يتسع المجال لذكرها، مثل: إيصال الرمي لمواقعه الملائمة والأكثر أثرا (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، ومثل: تقليل العدو وتحقيره في عيون المؤمنين، وتعظيم المؤمنين وتكبيرهم في عيون العدو، (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم) (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم).

إذا وصلت لهنا عزيزي القارئ فاعلم أن دعوة منك ستكون سببا في تثبيت قلب مكلوم، أو بث الرعب في قلب مجرم ليهرب، أو وقاية طفل رضيع انهارت بناية كاملة فوق رأسه، فكيف تتكاسل عن الدعاء! ولو لم يكن في الدعاء إلّا أن يخفف الإنسان من مسؤوليته أمام الله حين يحاسبه على موقفه مما حصل لكفى به!

وقد يقول قائل: لكني أريد من الله أن يتوقف كل شيء فورا وينتهي العدوان الآن، فإني لم أعد أحتمل!

فأقول: ومنذ متى والله يدبر شؤون خلقه وفقا لما نراه نحن من الخير والشر! وماذا كنت فاعلا أيها المؤمن لو عشت في سنوات استضعاف فرعون للمؤمنين وتذبيحه لأبناءهم كلّياً! أو في بداية العهد المكي حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على ضعاف الصحابة وهم يعذبون حتى الموت! إنه لا ينبغي لك أيها المؤمن أن تكون نظرتك إلى الأحداث مثل نظرة الكافر، إنك تؤمن أن لله سننا كونية قاهرة لا تنخرم، مثل سنة الابتلاء، فإن الله قال- في سياق ذكر الصراع- (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)، وأن لله مرادات ومحبوبات مما يحصل، قد ذكر الله بعضها في آل عمران، وهي السورة التي امتلئت بذكر الحِكَم في مآسي غزوة أحد، مثل قوله تعالى: (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء)، وعند النظر في جموع الشباب الذي زالت غشاوة الافتتان بالغرب من عينه بعد ما حصل، وفي جموع المؤمنين التي تجدد إقبالها على القرآن والاهتداء به حتى لكأنه يتنزل هذه الأيام، وفي جموع المسلمين التي أحيت الأحداثُ روحَ الأخوة الإيمانية عندها بعد ما حصل، فستعرف نزرا يسير من هذه الحكم الإلهية، وكل هذه المصالح هي ألوان من العبودية، العبودية التي خلقنا الله لأجلها! لقد ماتت آلاف من أجل إحياء قلوب الملايين، وحتما لن ندرك كل هذه الحكم، لأن الله قال- بعد أن تكلم عن كره العبد لبعض ما يقدّره-(والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، ودورنا هو الاستسلام لله والتأدب معه، وفي سياق هذه الجزئية- اختلاف نظرة المؤمن عن غير المؤمن- وجدت هذا المنشور الرائع:

ختاما: ينسى المؤمن كل آلامه بغمسة في الجنة. اللهم انصر إخواننا، وأعن كل واحد منا على نصرتهم بما يستطيع، آمين.


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


أضف تعليق