
بسم الله، يقول الحق سبحانه وتعالى: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه)، وهي صيغة عموم في غاية القوة كما لا يخفى على أهل اللغة والأصول، فخزائن الراحة، وخزائن السعادة، وخزائن الصلاة، وخزائن الذكاء، وخزائن الغنى، وخزائن العلم، وخزائن المحبة في قلوب الخلق، وخزائن العافية، وخزائن الشفاء، وخزائن الوظائف، وخزائن الزواج المبارك، وخزائن الذرية الصالحة، وأضداد كل ما سبق، كلها عند الله!
وغدا عزيزي المتفكر هو أفضل يوم تُفتح فيه الخزائن ليُغدق منها على الخلق، لما جاء في السنة من قول الحبيب عليه الصلاة والسلام: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، فهو خير الأيام من حيث أجر الدعاء، ومن حيث إجابته، كما وضحه الباجي رحمه الله، فلو كُشف لنا الحجاب لرأينا الناس من حولنا منصرفين- حين تغرب عليهم شمس عرفة- وكل يحمل نصيبه وعطاياه من هذه الخزائن، وحيث إنه أفضل وقت للدعاء، فدونك يا صديقي بعضا من الوصايا التي قد تكون مفيدة لك:
أولا: استعن بالله واطلب منه بصدق أن يعينك على استثمار يوم عرفة، فرغم معرفة معظم الناس بفضله، إلا أن المحرومين فيه كُثُر، تذلل لله هذه الليلة أن يشرح لك صدرك غدا، ويحبِّب الدعاء والذكر إليك، ويرزقك القوة والصبر على العبادة، وهذا الوصية ليست ترفا من القول إذا كنت تعرف حقيقةً معنى التوفيق والخذلان الإلهي.
ثانيا: الأموات: تذكر أن لديك العديد من الموتى الذي ينتظرون هداياك غدا، فلا تبخل عليهم بالدعاء، ولعلك حين يحين دورك مثلهم، وتصبحَ غير قادر على اكتساب حسنةٍ واحدةٍ، أن يسخِّر الله من يدعو لك حينها كما تدعو الآن لهم، لأن الجزاء من جنس العمل.
ثالثا: الفردوس: بيّنتُ في مقال: أخصر طريق للوصول إلى الفردوس دلالةَ السنّة على أن المسلم مهما كان مقصِّرا، فإنه مأمورٌ بدعاء الله بنيل الفردوس (أعلى منازل الجنة)، وأن دعوته عندما تستجاب، فسينال الفردوس بمحض فضل الله وكرمه، وبالتالي: ادع الله غدا بذلك، ولو كنت أكبر فاسق الآن.
رابعا: المدوّنة: رغم أن هذه الأمور تُذكر عادةً في ختام المقالات، لكن سأضعها هنا على سبيل التغيير والتجديد، لا تنس الدعاء لهذه المدونة، بأن تستمر، وأن ينفع الله بها، وأن يتقبلها عنده، وشكرا لك مقدما على تكرمك بالدعاء ❤.
خامسا: احكِ لله كل شيء: كثيراً ما يحرم الناس أنفسهم من لذّة الدعاء والمناجاة بسبب اقتصارهم على اللغة العربية الفصحى في الدعاء، وظنّهم أن الدعاء هو مجرد تقديم الطلب النهائي لله، وكلا الأمرين غير صحيح، اقصص تفاصيلك لله بلغتك ولهجتك، واعلم أنه يسمع لك، وأنه يحب ذلك منك، وكلما أطلت في شرح حالتك وبث شكواك والبوح بمخاوفك وقلقك، كلما كان ذلك أعظم أجراً، وأحب لله، وأدعى لتذوق حلاوة الدعاء، وأقرب لنيل إجابة الدعاء، وتأمل كيف قصَّ علينا القرآن شيئا من بوح زكريا عليه السلام كل ما سبق في نجواه مع الله حين قال: (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا)
سادسا: لا تنس نصيبك من الآخرة: لا تحصر دعواتك في مصالحك الدنيوية التي لن تعيش فيها سوى القليل ثم تنتقل بعدها إلى دار أبدية سرمدية ستمكث فيها مكثا يتبدّد فيه مفهومنا عن الوقت حينها، بل فكّر كيف تضمن أفضل المنازل هناك، هل دعوت الله بأن تكون من المتقين؟ الصابرين؟ المحسنين؟ هل طلبت قيام الليل من الله؟ أو تدبر القرآن؟ أو أن يعيذك من هذه الفتن المتساقطة كالمطر؟، ولذلك أوصيك بالدعاء بما ورد في القرآن والسنة لجمعها لك بين مصالحك الدنيوية والأخروية، ولتنال بها أجر اتباع السنة كذلك.
سابعا: وسله أيضا صغائر الأمور: هناك فئة من الناس لا يدعون الله إلا للمطالب الجليلة الصعبة، ويزهدون في دعائه لاحتياجاتهم الأخرى، وهذا غير صحيح، لأن الدعاء في ذاته عبادة يحبها الله ويرضى عن عباده بها ويأجرهم عليها، وأحيانا يحصل خشوع وتعلق من القلب بخالقه في هذه الأمور أكثر من غيرها- وهذا التعلق مقصود العبادة أصلا– وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( سَلُوا اللَّهَ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الشِّسعَ ، فَإِنَّ اللَّهَ إِن لَمْ يُيَسِّرهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ )، والشسع متعلق بالنعل- أكرمكم الله، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته.
ثامنا: تقنيات إكثار الدعاء: قد لا تستطيع الالتزام طيلة الوقت بآداب الدعاء من استقبال القبلة، والتطهر، ورفع اليدين، وغير ذلك، فلا يكن ذلك صارفا لك عن الدعاء نفسه، والذي هو هدفك الأساسي، وبالتالي: ادع الله وأنت قائم أو مستلق، ادع الله وأنت ممسك بخاتم التسبيح، ادع الله بشكل جماعي مع أسرتك أو صديقك، قم بالتأمين على دعاء المذيع في القنوات الدينية، اطلب من الله على أي حالة كنت عليها، فالرب كريم شكور، وأنت موعود بالإجابة والأجر من الله حتى في هذه الصور التي قد يزهد فيها بعض الناس.
تاسعا: غزة: أوضاع الناس في غزة لا تُصدّق، ولا أقصد هنا الدعاء لأهل غزة فقط بالنصر والتمكين؛ فهذا مفروغ منه، ولكن أقصد أيضا الدعاء لأنفسنا بأن يغفر الله لنا ما يكون قد وقع منا من خذلان تجاههم، فإنها مصيبة عظيمة قد حلت بهذا الجيل، ولا أدري والله كيف سيحاسبنا الرب عليها.
رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.