(لينكد إن) والدار الآخرة

بسم الله، دخلت عالم (LinkedIn) قبل فترة ليست بالطويلة، ولمن لا يعرفها؛ فهي (شبكة تواصل اجتماعي مهني مخصصة للأعمال والتطوير الوظيفي، تسمح للمستخدمين بإنشاء ملفات شخصية احترافية لعرض خبراتهم وإنجازاتهم. يستخدم بشكل أساسي لربط المهنيين ببعضهم البعض، والبحث عن فرص عمل، والتواصل مع الشركات، ويعتبر منصة هامة لبناء شبكات العلاقات المهنية)، وللأمانة؛ فقد أذهلتني هذه الشبكة بما فيها من امتدادات وروابط عجيبة، إذ تربط بينك وبين زملاء التخصص بطرائق سحرية قد لا تكون مفهومة لك تماما؛ لأنك غير متخصص في الخوارزميات بطبيعة الحال، كما أن النقاشات فيها مختلفة جذريا عن النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي العادية، حيث تتحاور هنا مع نخبة القوم، ممن يشاركونك نفس التأهيل المعرفي إجمالا (انظر مثالا مختصرا: نقاش عن حجية الإقرار المدون في محاضر الضبط في القضايا الجزائية: https://2u.pw/PoxIY5)

حسنا، لا أريد الإسهاب في شرح محاسن هذه الشبكة، ولكن الذي أردته هو خاطرة تجول برأسي حين أفكر في هذه الشبكة: يا أصدقاء اللينكد إن، أرى قاسما مشتركا بين الجميع هنا، ألا وهو علو الهمة، والحرص على الإتقان، والشغف بالنجاح، وما أجمل هذا، ولكن الذي أريد تذكير نفسي وإياكم به هو ألا ننشغل بالنجاح الدنيوي عن الفلاح الأخروي، أعيذكم بالله أن نكون عظماء في أعين الناس ساقطين في عين الله، أو أن ننشغل بإعمار الدنيا عن إعمار الآخرة، تذكروا أن هذا النجاح الذي حققناه جميعا في الدنيا قد لا يستلزم بالضرورة تحقيق الفلاح الذي وصف الله به من أفلح في تزكية نفسه وتطهيرها وحقق المهمة التي خلقه الله من أجلها فقال: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها)، ما أشد خسارة من تفوّق ونجح في مرحلة عمرها 60 أو 70 عاما على أحسن الأحوال وأخفق في دار الخلود الأبدية، عالم لينكد إن عجيب!، مزدحم بالإنجازات، حافل بالمناصب والاستحقاقات، يذكرني بقول الله (هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون)، لكن المناصب الأخروية خاضعة لمعايير مختلفة جذريا عن عالم لينكد إن، معايير مثل العبودية لله، والخضوع له، والاستسلام له، معايير مثل قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وقوله (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، نعمة كبرى على الإنسان أن يرى نفسه مجبولا على تحقيق أعلى الدرجات، عاشقا للنجاح وتحمل المسؤوليات، وخسارة كبرى- في المقابل- أن يستهلك هذه الفطرة وهذه الميول بدون مراعاة للأولويات الشرعية والمنطقية، كأن تجد موظفا محققا أقصى درجات التميز الوظيفي مثلا، لكنه ابن عاق لأمه في نفس الوقت، أو زوج مهمل لزوجته وأولاده، عوذاً بالله، الموضوع ذو شجون، وهو مرتبط بمفهوم النجاح السائد في كتب تطوير الذات، والفارق بينه وبين مفهوم الفلاح والعبودية لله في الإسلام، كما أنه وثيق الصلة بحديث: (إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ).

أخيرا، ثمة حديث يسحر الألباب في هذا المقام، يوضح فكرة المقال بأكملها، أترككم لتستمتعوا به في السطور التالية:

مَرَّ رَجُلٌ على رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جالِسٍ: ما رَأْيُكَ في هذا فَقالَ: رَجُلٌ مِن أشْرافِ النّاسِ، هذا واللَّهِ حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ، قالَ: فَسَكَتَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ: ما رَأْيُكَ في هذا فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا رَجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشَفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسْمع لِقَوْلِهِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: هذا خَيْرٌ مِن مِلْءِ الأرْضِ مِثْلَ هذا.


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


رأي واحد حول “(لينكد إن) والدار الآخرة

  1. خطوة أخرى على طريق التميز والإبداع

    ختمت بحديث المفاضلة بين الناس في الدارين

    ومع ذلك يظل الطبع يغلب التطبع إلا من هدى الله

    نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والنجاح

    إعجاب

أضف تعليق