
بسم الله ومرحبا بالجميع، قد اشتقت للكتابة إليكم معاشر المتفكرين.
قبل عدة سنوات، وفي بداية عكوفي على بحث الدكتوراه، واجهَتْني مشكلة لطيفة وعجيبة! ألا وهي عدم القدرة على الصمود طويلاً أمام النعاس الذي يغشاني بعد فترةٍ من جلوسي مع الكتب والحاسب صباحاً، ولطالما عانيت من النعاس في مراحل دراسية مختلفة..
إزاء ذلك كان لا بد من ابتداع حلول أواجه بها وحش النعاس الجميل هذا، وفعلا خرجت بقائمة تحتوي على مزيج من الأفكار المتنوعة التي يُنصح بها، وكتبتها على ورقة صغيرة آنذاك (منها: مضغ العلك، ومص الملح، ومضغ الثلج…إلخ).
إحدى أهم تلك الأفكار كان يتمثل في ضرورة الخروج من المنزل فترة الصباح والجلوس في مكان عام، بهذا تكون غير قادر على النوم، بكل بساطة. إن عدم القدرة على فعل الشيء تكون أحيانا هي أفضل علاج!، ولذلك قال بعض السلف: (من العصمة ألا تقدر) أي أن من رحمة الله بالعبد أحيانا ألا يكون عنده الكثير من المال أو السلطة أو غيرهما من العوامل التي تسهّل له غشيان المعاصي.
هكذا بدأت أتجول في أرض الله الواسعة باحثا عن المكان المناسب الذي أقضي فيه صباحاتي الناعسة، حينها اكتشفت (دكان قهوة) في حي العوالي، ولم أكن قبلها ممن يرتاد المقاهي، ولم تكن المقاهي قد تحولت بعد إلى ما يشبه الظاهرة الاجتماعية كما صار مشاهداً في السنوات الأخيرة.
دخلتُ المكان وسألتُ الموظف عن الخيارات المتاحة، لحظتها عرفتُ أن هناك اختراعا اسمه (الفلات وايت)، وآخر اسمه (الكورتادو)، واهتممت لأول مرة في حياتي بأن أعرف الفرق بين (الكابتشينو) و(اللاتيه). وكان ضبط الفروق بين هذه المشروبات يحتاج إلى تكرار المعلومة مرةً بعد مرةً، لكن يمكن إجماله في عامل واحد، ألا وهو نسبة التوزيع بين الحليب والقهوة والرغوة.
في البدايات اضطررت لشراء كوب القهوة لتبرير جلوسي في المكان لا أكثر، لأنه من غير المقبول ذوقاً أن أجلس هكذا بدون أي نفع مادي للمقهى، لكني فوجئت بتفجّر مخي مع أول كوب أشربه، وأظنه إحساسَ أي أحد يشرب القهوة السوداء للمرة الأولى؛ لأنها أثقل وأقوى من القهوة العربية المعتادة، شعرتُ بالقهوة تتخلّل عقلي، وشعرتُ بقدر منعش من اليقظة الذهنية، ناهيك عما هو أجمل من هذا كله! ألا وهو الرائحة! رائحة الكوب الذي يقدم لي، فأقربه إلى وجهي ليغشاه جمال الرائحة الطبيعية الرصينة والأنيقة التي تتصاعد أمامك من الكوب فتستنشقها شاكرا الخالق الذي خلق هذه الرائحة! فضلا عن رائحة البن الذي يُطحن أحيانا أثناء وجودي في المحل فتعلق رائحته في ثوبي إلى المساء. وقتها رجعت للبيت وقلت لهم: أظن أن الموضع الوحيد الذي لا بأس بأن يتجشّأ فيه الإنسان هو ما يكون بعد شرب القهوة السوداء!

في البداية كنت منزعجا وغير مرتاح بسبب سعر الكوب، لا سيما عند النظر لإجمالي المبلغ الذي يُصرف شهريا، غير أني غيّرت منظوري للمسألة، فقلت في نفسي إن هذه المبالغ لا تصرف في الحقيقة على مجرّد القهوة، بقدر ما هي استثمار طويل المدى في سبيل تحصيل الدكتوراه، التي كانت الدافع الأساسي والباعث على فكرة ارتياد المقاهي.
هكذا بدأت قصة حبي لمقهى (دكان)، فكنت أذهب إليه في بداية الدوام بين السابعة والثامنة صباحا، فأمكث فيه إلى قرابة الظهر، لا أحصي كم مرةٍ جلست فيه، وكم مسألةٍ بحثتها، وكم تدوينةٍ كتبتها، وكم صديقٍ قابلته، وكم إنجازٍ أتمتته، لذلك نسج قلبي توليفة خاصة من المشاعر تجاه هذا المكان! فصار لي كالجليس الصالح الذي يحثّ على الإنجاز واستغلال الصباح، وحيث إن للأماكن شخصيتها كما أن للبشر شخصياتهم، فقد كان هذا المقهى ذا طبيعة راقية رفيعة، وليس من تلك المقاهي الرقيعة التي يهوى ارتيادها سفلة المجتمع فترى فيها من المنكرات والقبائح ما يدنّس روحك، أشعر بأن المقاهي مثل البشر، بعضها رقيع، وبعضها محترم إن كنتم لاحظتم ذلك.

دعني أخبرك هنا أنني لست من خبراء التذوق، ولا تملك حَلَمات لساني تلك القدرات الخارقة التي نراها عند الذواقين، لكن باعتباري جربت عشرات الأصناف من عشرات المقاهي، فأنا متأكد أن لهذا المكان قهوته الخاصة به، أما عن (الموكا) الذي كانوا يقدمونه فهو مشروب أسطوري لا سبيل لوصفه، وللأسف لا طريقته لتجربته حاليا لأنهم توقفوا عن تقديمه منذ فترة طويلة، بسبب انقطاع توريد خلطة الشوكولاتة التي كانت معتمدة لديهم.
مؤخرا بدأت ألاحظ قلة الزبائن في المقهى، وشعرت بالخطر، وفعلا وقع ما توجست منه، حيث قام المقهى بإغلاق أبوابه، ولا أعلم أسباب ذلك، لكن المنافسة في عالم المقاهي محتدمة فيما يبدو.
لا شك أن للأماكن أعمار كما أن للأشخاص أعمار، وتمنيت لو طال عمر المقهى أكثر من ذلك، لكن الفناء هو مصير الموجودات حولنا جميعا، إلى اللقاء يا دكان، سأبقى وفيا لذكراك ما حييت. وماذا عنكم يا أصدقاء المدونة؟ هل تملكون روابط مكانية كالتي حدثتكم عنها؟
رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام:https://t.me/mutafakker
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.