أحب المصريين ولست منهم

الحمدلله، أما بعد:

فلست أدري متى وقعت في غرام المصريين على سبيل التحديد، هل كان ذلك في طفولتي عندما كنا نشاهد أفلام كارتون والت ديزني المدبلجة باللهجة المصرية مثل سنو وايت وحكاية لعبة وغيرها؟ أم أن بدء حبي لهم يعود إلى اليوم الذي اكتشَفَتْ فيه والدتي قصةً- بحوزة أخي محمد- بعنوان (كتيبة الدمار) من سلسلة رجل المستحيل للراحل نبيل فاروق؟ فكانت تلك الحادثة إيذاناً بتكوُّن عادة القراءة لدينا منذ الصغر، بسبب المحتوى المثير والسليم مما يخدش الأخلاق في نفس الوقت؟، لا أدري صراحة إلا أني نشأت على إشعاع ثقافي يأتي إلينا عبر البحر الأحمر، (طبعا لا شك أن الإشعاع الثقافي هذا منه ما هو إيجابي ومنه ما هو سلبي) غير أني تعرضت للإيجابي منه ولله الحمد😆.

الحب غير ممنطق دائما، وبالتالي ليس من شرط حبي لهم أن تكون هناك قائمة من الأسباب المقنعة والدقيقة تعلل هذا، غير أني تفكرت في الموضوع حينا من الدهر- ونحن في مدونة متفكر كما تعلمون- فوجدت بعض العوامل التي أثَّرتْ في حبي لهؤلاء القوم، وأَعلمُ أن بعضها سيكون غريبا على مسامعكم، فهيا بنا:

عامل الابتلاء: هذا شعب مبتلى بكل ما تحمله الكلمة من معنى!، وبالنسبة لي، فإني إذا رأيت مؤمنا مبتلى فإني أحبه مباشرة، ذلك أن الأصل في الابتلاء الذي يصيب المؤمن أنه شرف له من الله وكفارة له، ومن حين يولد المصري في عالم اليوم فإنه واقع تحت عشرات المطارق والسنادين التي تدقه من كل اتجاه، سواء مطرقة الفقر وغلاء المعيشة، أم اضطراب أحوال بلده أم غير ذلك، ولا شك أن لذلك ثمنا عند الله عز وجل، عَلِمَه مَنْ علمه وجَهِله مَنْ جهله، وإذا كانت هذه الظروف سببا لحب الشخصية المصرية فإني أضيف إليك سببا تفاعليا كيميائيا سيبدو في غاية الغرابة عند ضمه إلى العامل الأول، وهو السبب الثاني لحبي لهم:

عامل الفكاهة: إنهم يضحكون أكثر منا!، ويلقون النكات أكثر منا! نفس هؤلاء القوم الواقعون تحت ظروف تحتِّم إصابتهم بالاكتئاب وكل الأمراض النفسية، والتي تحتم أن تصبح الضحكات نسيا منسيا في تاريخ حياتهم فلو اطلعت على الصحيفة التي يكتبها المَلَك الموكل بكل واحد منهم لوجدت تاريخ آخر ضحكة يعود إلى عام كذا!، تجدهم يضحكون ويتحلّون بحس كوميدي نادر-تبارك الله-، فلا أدري أهي الظروف القاسية التي مرت بهم قد أفرزت عندهم خفة الدم كنوع من العلاج الذاتي أم ماذا، المهم أن المنتج النهائي الذي تجده أمامك على مسرح الحياة هو إنسان يتلقى صفعات الحياة من كل اتجاه لكنه قادر على الضحك، قادر على الإضحاك، ولله في خلقه شؤون!

عامل الكفاح: المكافحون من المصريين كأمثال الذر- تبارك الرحمن-، وقد لاحظت من صغري أن قوائم المتفوقين عندنا في المدراس قلما تخلو من مصريين، على أن هذه الملحوظة مُلْتقطة عندي عن المصريين المقيمين في خارج بلادهم، وبالتالي لا أستطيع أن أخمن مدى انتشارها بين مصريي الداخل لكن لا شك أن الفرع تابع للأصل.

عامل الشرح والتبسيط: حسنا سأختصرها عليك، إذا كنت تتجول في قارعة اليوتيوب بحثاً عن حل لمشكلة صحية أو اجتماعية أو غيرها، فجرب أن تسمع شرحها من عدة جنسيات مختلفة، ثم انظر لها مصريا يشرحها، وستفهم ما أقول، طبعا هذا لا يعني إهمال العوامل الأخرى المؤثرة في كفاءة صاحب المقطع من التخصص العلمي والتحضير، إنما قصدت المقارنة مع تجريد بقية العوامل.

عامل اللهجة: سيأتي يوم يكتشف فيه علماء اللسانيات واللغويات أن في هذه اللهجة ترددات مجهولة تأتي من أبعاد كونية أخرى! هذه الترددات هي ما سيفسر لنا في المستقبل سبب اكتساح لهجتهم لبقية اللهجات الأخرى!فهي لهجة في غاية اللطافة، لكنها لطافة لا تبلغ بها إلى أن تصير لهجة رقيعة أو مائعة!، فيسعك أن تتكلم بها مطمئنا إلى احتفاظك برزانتك وهيبتك ولو كنت زعيما للمافيا!

ما سبق عرضه كان أسبابا عامة، أما على الصعيد الشخصي فقد كنت محظوظا بالتقاء عدة مصريين مميزين خلال حياتي- باستثناء خالد زميل المتوسطة الذي كان مميزا ولكن في الشر-، وكان لهم بصمات خاصة في جوانب مختلفة من حياتي، وهم الأبطال الآتية أسماؤهم:

أولاً: الشيخ الدكتور محمد بكر إسماعيل حبيب: فلقد تلقيت علم أصول الفقه المشهور بوعورته وتعقيده على هذا الشيخ الأزهري السلفي، وكنت أقول لصحبي: من أراد أن يجرب بنفسه ويتثبت من مذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد فليحضر عنده! وكنت أتلقى في محاضرته من جلال العلم ورونقه-تبارك الرحمن- ما يطير عني كل نعاس كنت أعانيه في صباحات أيام الجامعة (كانت مشكلة أعانيها في معظم المحاضرات)! وإذا أردتم أن تتصوروا مدى انتفاعي بهذا الشيخ فيكفي أن أخبركم بملحظ طريف من رؤاي ومناماتي- وتعلمون أن الرؤى تقوم غالبا على استعمال الرموز-، ذلك أني وجدت في العديد منها أن الرؤيا إن كانت تشير إلى معنى العلم فكثيرا ما يؤتى فيها بالشيخ محمد بكر إسماعيل ترميزا للعلم وإيماءً إليه، فاللهم اجزه عني خيرا الجزاء.

ثانيا: الطبيب الفاضل أبو العز كلبوش: هذا طبيب عظيم، مكثت أتعالج عنده أنا وزوجتي فترة طويلة من الزمن، كان فيها مثالا على ممارسة نوع من الطب الرفيع وليس الطب التجاري أو الوظيفي الذي نراه هذه الأيام، ومن عجيب أمره أنه بالرغم من انقطاع التزامه الوظيفي تجاهنا بسبب انتقاله من جهة عمله وخروجه من مكة، فإن دعمه لنا وسعيه في علاجنا ظل مستمرا كما هو ولم يتغير تعامله معنا مثقال ذرة، وهو من النماذج المتألقة التي تذكرني بقول الشافعي رحمه الله حين قال: “لا أعلم علماً أنبل- بعد الحلال والحرام- من الطب”، كان- أقصد الدكتور وليس الشافعي طبعا- إذا تعذر عليه الإجابة عن اتصال أو مراسلة لا يفوته أن يطيب خواطرنا ويبين عذره رغم أنه ليس ملزما بالتواصل معنا أصالةً. الخلاصة: أن هذا الطبيب لم يبق له إلا أن ينبت له جناحان- تبارك الرحمن- فاللهم اجزه عنا خير الجزاء.

ثالثاً: الأديب أحمد خالد توفيق- رحمه الله-: حسنا لن أفيض كثيرا في وصف هذا الأديب، فقد كتب فيه غيري كثيرون، لكن يكفي في بيان أثره عليَّ أن أقول إن الشخص الوحيد الذي كنت أقرأ فأستمتع معه أيام اكتئابي هو هذا الرجل، وذلك لما حوته مقالاته ورواياته من مزيج عجائبي متناغم من المتعة والإثارة والسخرية وخلطة كالذهب من تلك الأخلاق النادرة كالتواضع والصدق والتجرد والإنصاف، ولن أنسى حادثة عجيبة متعلقة به، ألا وهي أن خبر وفاته عندما وصلني كنت في ذات اللحظة أقرأ آخر رواية نشرها قبل وفاته (شآبيب)،فمكثت حينا أتأمل في هذا التوافق الغريب!.

ولقد كنت عازما على كتابة هذه التدوينة من فترة حتى حصل حدث باسم حمسني أكثر للتعجيل بالتدوين، ألا وهو أنه تواصل معي على الخاص شاب لا أعرفه ولا يعرفني، فقط لينبهني على بعض الإشكاليات في القالب المستخدم في المدونة، ويساعدني بعد ذلك على إصلاحها وتحسينها، وعرفتُ بعد ذلك أنه طالب مصري متخصص في البرمجة والحاسب، واسمه: مصطفى أسامة، هكذا لله في الله، بادر للتواصل والإصلاح والتوجيه ثم عاد لحياته، فله مني كل الشكر والتقدير.

طبعا لسنا بحاجة بعد كل هذا إلى التنويه بأن في المصريين شياطين كما هو موجود في كل شعب، ولكننا أظننا اكتفينا من الخطاب السلبي بحق بعضنا كشعوب ونحن إخوة العقيدة والإيمان، وبتنا في حاجة إلى نفض الغبار عن محبتنا لبعض وولائنا كمؤمنين.

ختاما ماذا عنكم أصدقاء متفكر، هل أنتم واقعون تحت سحر المصريين مثلي أم لا؟، وما هي أكثر الشعوب المسلمة قربا إلى قلوبكم- وكلهم قريب إن شاء الله- ؟

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


3 آراء حول “أحب المصريين ولست منهم

  1. جزاك الله خيرا
    الدكتور محمد بكر من بلدتي وننتظره سنويا عندما يأخذ أجازة بفارغ الصبر. فلا يحلوا رمضان ولا الاعتكاف الا بوجوده بين ظهرانينا ننهل من علمه ونتسلى بحديثه ونزداد إيمانا بموعظته ويتجدد إيماننا بالنظر إليه وإلى إخواننا من حوله.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s