المفتاح الأعظم

( بسم الله، هذه التدوينة هي الأثمن عندي، هذه التدوينة تخاطب قلبك، هذه التدوينة فيها شيء من الطول، لذلك قسمتها على ثلاثة مقاطع، أهمها آخرها)

-1-

تيت..تيت..تيت…

صوت من هذا الجهاز، وصوت من ذاك، تتطاير موجاتهم عبر أثير الغرفة لتصنع مزيجا يُذْكي مشاعر القلق والترقب والتوتر المخيمة على أركان المكان…

أزواج من الأيدي المعقمة بالكحول متراصة حول الجسد…

اللغة المستعملة هنا هي لغة الجسد، وإن اضطروا للكلام فهمسا…

كل العُدَد موجودة هنا… جهاز التخدير المتكامل وما يحويه من أوكسجين وثاني أوكسيد الكربون…جهاز إنعاش وتخطيط القلب.. جهاز الشفط الكهربائي… جهاز الأشعة… وجهاز جراحة المناظير مع ملحقاته.

كان الفريق يعمل بكل انتباه ورؤوسهم متوجهة إلى المريض، فيما تراقب العيون تعليمات الجرّاح المشرف على الحالة، كان وقتاً عصيباً لا يدركه إلاّ من يعمل هناك، وبعد مضي ساعة ونصف من الوقوف وشد الانتباه لكل حركة تحصل، ومتابعة جادة لكافة الأجهزة الطبية التي تحيط المريض من كل صوب فجأة توقف الجراح!

لقد دخل وقت الصلاة!

 فاشرأبت روح طبيبنا إلى خالقها! إلى الطبيب الشافي-سبحانه وتعالى-

 إلى الذي لا قيمة لكل ما سبق بالأعلى من المستشفى وأجهزته وكوادره إن لم يشأ-سبحانه-  حصول الشفاء!

اشرأبت روحه إلى الذي قالها صريحةً في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة).

كجراح مرموق وماهر ومشهور على مستوى المملكة كان قد عرف خلطة النجاح التي يشق بها طريقه، والقائمة على أساس التعلق بالله، لهذا تجده إذا نادى منادي الفلاح أوقف العملية- طالما لم يترتب على ذلك ضرر- وذهب يناجي ربه ويستمد العون منه، إنه يستعين بالصلاة حرفيا على إنجاح العملية، إنه يطبق بدقة حديث: (كان إذا حزبه أمر-صلى الله عليه وسلم- صلى).

في الحقيقة إن الموقف المسطور بالأعلى موقف غريب لن يفهمه كل أحد!، ما الذي يدعو الواحد إلى الانخلاع من رؤية كل الأسباب الحسية المتوافرة حوله من طاقم وخبرة وتجهيزات ومستشفى كامل ليرى ببصيرته المدبر سبحانه من وراء الحُجُب متصرفا غاية التصرف في مصلحة المريض الممدد بين أيديهم!

هذا هو العظيم توفيق التميمي رحمه الله، أحد السادة الذين جمعوا بين النجاح الدنيوي والنجاح الأخروي- نحسبه والله حسيبه-، وأحد الذين عرفوا الخلطة السحرية لتحقيق ذلك، وهذا هو ما لفت انتباهي له وإعجابي به، إنه من القلة الذين عرفوا النقطة التي ضعت كثيرا حتى وصلت إليها وأدركت كنهَهَا، وهذا ما يقودنا إلى النقطة التالية…

-2-

أنا من الأشخاص الذين قرؤوا كثيرا في النجاح، وسِيَر الناجحين، حتى خِلتُ أني لن أضيف لنفسي شيئا جديدا- في خلطة النجاح- عند مطالعة المزيد من المصنفات، الكل يُجمع على أن النجاح لا يتحقق إلا بالبذل والعمل وترك الراحة والكسل، ترسّخ هذا المعنى في داخلي وتشربه قلبي، لا بد من بذل السبب أولاً ثم المطالبة بالنجاح ثانياً، هذا قانون كوني ولا عزاء للمتوانين…

وكذلك كنت طيلة حياتي، أركّز على تنفيذ الشرط الأوحد الذي ذكروه، لا بد من الكدح، البذل، الجد، والاجتهاد، لم أنتبه مع مرور الأيام إلى نسياني لحقيقة كونية شرعية كبرى نص الله عليها في كتابه العزيز، ألا وهي مسألة التوفيق والإعانة..

في الحقيقة لم أنسها بكاملها، ولكن اضمحلت ملامحها في أفقي وبدأت في التلاشي، أو أنني وفَّقت بينها وبين مفاهيمي الجديدة بحيث لا يبدو بينهما أي تعارض- مع وجوده في حقيقة الأمر-، لقد تحولت قضية التوفيق الإلهي إلى مجرد معلومة نظريةكامنة في مكان ما من دهاليز عقلي وتراجعت ليحل محلها المفهوم المادي السالف، ولسائل أن يسأل: كيف تفطنتَ لوجود الخلل؟

من حقك أن تسأل هذا السؤال بطبيعة الحال، وهنا اسمح لي بأن أعبر بك الزمن للوراء لكي أُجْمِل لك وصف مرحلتين سابقتين في حياتي بهما أدركت الخلل، مرحلة سابقة ومرحلة لاحقة، فالمرحلة السابقة: مرحلة النجاح الساحق:

أنا شخص لم أعرف غير النجاح في حياتي السابقة – ولله الحمد- دائما ما كنت الأول أو من بين الأوائل على أقل تقدير في كل سني دراستي من الصف الأول ابتدائي إلى حين تخرجي من الجامعة بترتيب الأول على الدفعة في تخصصي،

أحفظ القرآن الكريم من سن صغيرة ولله الحمد..

أفوز في شتى المسابقات، وخزانة البيت ممتلئة بشتى الدروع وشهادات التقدير في أنواع وأنواع من المجالات…

أحظى دائما بالإعجاب والتقدير من أساتذتي وزملائي..

هكذا لم أعرف غير النجاح في حياتي، ولم تتضلّع نفسي من مورد غير الثقة زاداً لها في هذه الحياة..

لم يكن بيني وبين بلوغ شيء أريده سوى أن أقرِّر رغبتي فيه ثم أشرع في التشمير عن ساعد الجد وبذل الأسباب حتى أصل إلى ما أريده..

هكذا كانت حياتي، حتى وصلت إلى المرحلة اللاحقة: مرحلة الانكسار والأفول:

حيث عصفتْ بي أزمة كاسحة ومشكلة حياتية كبرى..

فماذا كانت ردة فعلي؟

لا شك أني نظرت لها على أنها تحدّ جديد في حياتي وأني على وشك البدء في معركة كبرى تحرق الرطب واليابس وقد كان..

سنوات وسنوات من الصراع مع هذه الأزمة لا أذكر أني عرفت فيها سببا شرعيا أو حسيا إلا وبذلته في سبيل إزالتها والقضاء عليها، لكني لم أتمكن من إزاحتها، حاولت الكثير والكثير حتى لم أعد أحصي كم مرة حاولت..

هنا بدأ الضعف يسري في جوانح روحي المنهكة…

بدأت يداي تخور عن حمل السلاح، وطفِقَتْ مرارة الفشل تلاعب حبيبات لساني، وتذوقت الهزيمة لأول مرة في حياتي،

بدأت أحاول النهوض والقيام، أو الزحف على أقل الأحوال، ولكن لا فائدة…

لقد نفد مخزون الإرادة والعزم والبذل والصبر والمصابرة والحيلة والدهاء…إلخ

نفدت لأني كنت أستمدها من نفسي.

صدقوني إني لأتأمل الآن فيما حصل لي فأستحضر كلام أهل العلم من الأصول حين يقولون إن هناك معاني لا ألفاظ لها! من أين أجد ألفاظا يسعها أن تصف لكم ذاك الخليط الخارجي والداخلي من المواقف والمشاعر والانهيارات..

هنا بدأ الهادي سبحانه يلفت نظري لحقيقة ذهلت لمّا أدركتها ولا زلت..

أن مفتاح النجاح الأول وسره الأعظم لا يبدأ من نفسي البشرية الضعيفة!

إنه يبدأ من السماء…

يبدأ بإرادة إلهية من ملك الملوك.

لا زلت أتذكر بعض تلك المواقف التي أكاد أرتجف فيها من الضعف، وتئن روحي فيها من الوهن،وأشعر فيها بأن نفسي نفس كهل في آخر عمره إرهاقا وتعبا لا نفس شاب في مقتبل عمره، أكون على حال كهذه ثم تهب عليّ نفحة علوية فيعتريني النشاط، و يملؤني الأمل، بلا أي سبب حسي من الخارج أو من الداخل، بلا أي سبب على الإطلاق

عرفت حينها أنه حتى الأشياء الداخلية من الأمل، والطموح، والذكاء، والهمة، والنشاط، وغيرها… كلها إنما هي بيد من يقول:(وإن من شيء إلّا عندنا خزائنه وما ننزّله إلا بقدر معلوم) نعم، كلها في خزائن الله، وكلها قد تزول عنك في أي لحظة، بل قد تكون سببا في شقاءك بين عشية وضحاها!

-3-

وهكذا بدأت برحلة تدبرية أتتَّبع فيها سِيَر العظماء الذين ذكرهم الله ، فوجدت سرَّا عجيبا موجودا في كل السياقات القرآنية! اكتشفت قاعدة مطردة في كتاب الله، لا تتخلف في أي جزئية، كل العظماء المذكورين بأعيانهم في القرآن ستجد دائما في النص القرآني ما يذكّرك أيها المتدبر بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بمجرد اجتهادهم فقط، إنما هو التفضل الإلهي أولا وآخرا!

عندئذ عرفت الخلل الذي وقعت فيه وعرفت سر النجاح الأعظم!

دعونا نبحر سويا على ضفاف بعض الآيات التي مررت عليها في رحلتي..

(ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمدلله الذي فضّلنا على كثير من عباده المؤمنين* وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين)

انظر كيف يعلقك الوهاب به سبحانه بحبال التعلق؟

كم ترى في هذا النص من حبال تشدك إلى السماء وتبين له أنهم لم يحصلوا ما حصلوا بالبذل والاجتهاد في المقام الأول! وإنما بتفضل الكريم سبحانه!

فيذكر في البداية:

  1.  أنه أعطاهم علما.
  2. أنهم حمدوا الله على تفضيله إياهم على كثير.
  3. اعتراف سليمان بذلك إذ يقول: علمنا منطق الطير.
  4. اعتراف سليمان أنه أوتي من كل شيء.
  5. ثم الخاتمة التي تفيض بالعرفان: إن هذا لهو الفضل المبين.

دعنا ننتقل إلى عظيم آخر…بم اشتهر لقمان؟ لكأني بوصف الحكمة يتبادر على لسانك وأنت تقرأ الكلام، حسنا كيف حصّل لقمان هذه الحكمة؟ بالخلوة والتأمل في الحياة؟ أم بمجالسة الحكماء والنهل من ينابيع حكمتهم؟ أم بمطالعة كتب الأولين والآخرين؟ أم بالتجارب التي مر بها في حياته الممتدة؟ لا أكاد أشك أن لقمان فعل كل الأسباب السابقة ولكن انظر إلى النص القرآني الذي يتجاوز كل تلك الأسباب ليركّز على السبب الرئيسي، وهو أن الله أعطاه الحكمة! هكذا بكل بساطة وبكل اختصار…( ولقد آتينا لقمان الحكمة)

وهذا ليس خاصا بلقمان-عليه السلام- بل كل من أراد الحكمة فليتوجه له سبحانه، لأنه ليس بينك وبين الحكمة إلا أن يشاء هو سبحانه ذلك! ثم لا عليك من بقية الأسباب! (يوتي الحكمة من يشاء)

أما الخضر- عليه السلام- فقد اشتهر بالعلم، ولأجل العلم سافر له الكليم موسى، فكيف وصفه القرآن؟

(فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنّا علما)

هل وصفه الله بالذكاء الشديد والبذل والهمة في تحصيل أسباب العلم! مع يقيني باتصافه بهذه الأسباب وغيرها، ولكن النص القرآني ركز على الأساس لما وصل إليه الخضر، فَحفِل النص- كما ترى- بخمسة ألفاظ تشير إلى تفضل الله عليه بذلك، ظلّلت مواضعها في الآية.

حسنا، دعنا نلقي نظرة علوية على معاشر الأنبياء التالي ذكرهم وركز معي على نقطة البحث: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿83﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿84﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿85﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿86﴾ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿87﴾ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ)

نص حافل بألوان وألوان من الشواهد التي تؤصل للقاعدة بما لا يقل عن عشرة شواهد…الحقيقة أني إلى حين مراجعتي النهائية للمقال أتعجب من كثرة الحبال الواصلة لنا بالسماء في المقطع السابق عن أنبياء الله…

لكأني بواحد يقرأ هذه الآيات في حق الأنبياء فيقول: نعم، طبيعي أن يرد مثل هذا الامتنان في حقهم فإنهم سادة الخلق، اختصهم الله بالنبوة والمعجزات، فهنا أقول لك:

دعنا نأخذ جولة مع غير الأنبياء، ولنبدأ بالصحابة…

في سورة الفتح التي تحدثنا آياتها عن صلح الحديبية والهزة النفسية العنيفة التي تعرض لها الصحابة جراء بعض بنود الصلح فماذا كان الحل؟ ( أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) ! وتكرر ذكر إنزال السكينة عليهم في عدة مواضع.

وتأمل في موضع آخر كيف يمتن الله عليهم فيقول: (ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم).

ولذلك جاء الرد صريحا وقويا في حق قوم ظنوا أن ما هم عليه من هداية إنما هو باجتهادهم الذاتي وبذلهم (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين).

حسنا انتهينا من الصحابة، دعنا ننتقل إلى فئة أخرى من فئات الناجحين التي تذكر في القرآن إنها فئة أهل العلم، والتي جمع الإمام ابن القيم فضائلها في القرآن والسنة فبلغت ما يزيد على المئتين وخمسين فضيلة في مصنفه العظيم (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة) لو تأملنا في طريقة التعبير الغالبة في القرآن عن هذه الفئة فماذا نجد؟

نجد أن القرآن يعبر عنهم بأنهم أوتوا العلم! بصيغة المبني لما لم يسم فاعله! مثل قوله تعالى (قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين) وهذا التعبير القرآني مستخدم في قرابة العشرة مواضع.

لاحظ كيف أن النصوص القرآنية لم تتعرض للأسباب المادية التي بذلوها، وإنما ركزت على الإشارة للمعنى الذي نحن بصدده!

إذا فأساس أي فلاح ونجاح تريد نيله هو الله، هو التعلق بالله، ولاسيما أننا جميعا نريد النجاح الأخروي في الأساس، لقد صار الناس في زماننا يكادون يعبدون الأسباب، وتسربت إلى عقول كثير من الشباب آفة التوكل على النفس، وهذا له أسباب منها أن معظم الكتب عن تطوير الذات تأتينا من البيئة الغربية التي تقدس المادة والحس ولا تأبه للخالق وما يتعلق به سبحانه، فتجدها تركز على الذات البشرية وإرادتها وعقلها و…إلخ، ومع كوننا نقر بأن هذه الأسباب مأمور بها شرعا لكن الاعتراض كل الاعتراض على جعلها هي الحاكمة على الحياة وهي التي تعطي وهي التي تمنع، فإذا أردنا النجاح وأردنا تطوير ذواتنا من خلال التدبر في كتاب الله فستكون أول صدمة لنا هي ما ذكرته الآن، توجه إلى الله أولا ثم اعمل بما تستطيع من الأسباب ثانيا، فإذا تعلق العبد بالله صار ينظر إلى الكون من وراء مولاه وصار متشربا قوله تعالى (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده)

نعم، إذا أعطاك الله النجاح فلا مانع لما أعطى، وإذا منعه عنك فلن تستطيع نيله ولو اجتمعت فيك صفات أهل الأرض واجتمع معلك أهل الأرض أنفُسهم جميعا، لأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع..

إذا أدركنا ما سبق فسنعرف لماذا نطق عطاء بن أبي رباح على بديهته عندما جاءه الخليفة فسأله: ما حاجتك؟ فقال: مالي إلى مخلوق حاجة!

إذا أدركنا ما سبق فسنعرف سبب غضب نور الدين محمود عندما نصحه الفقيه بعدم النزول في المعركة، لأنه إن قتل ستؤخذ البلاد من بعده، فكانت إجابة نور الدين: يا قطب الدين اسكت! فإن قولك هذا إساءة أدب على الله، ومن محمود حتى يقال له هذا؟ حفظ البلاد من قبلي؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو) فبكى من كان حاضرا.

إذا أدركنا ما سبق فسنعرف لماذا لم تحرك تهديدات الفرنسيين بمدافعهم شعرة في جسد عبد الحميد بن باديس وهو يجيبهم بكل قوة وصلابة: ونحن لدينا مدافع أقوى! إنها مدافع الله! الله أكبر ما هذا التعلق!

حسنا عزيزي القارئ هل اتخذت قرارك بالتعلق بالله؟

كتاب تطوير الذات الغربيون ملؤوا صفحاتهم بأنه ليس بينك وبين سلوك طريق النجاح إلا أن تقرر! فهل قررت؟

ها هنا أذكرك بوجود إرادة أخرى قبل إرادتك ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)

عرفت الآن لماذا شرع الله لنا في كل ركعة أن نقرأ: (وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم)؟

إننا نحتاج إلى إعانة الله وهدايته في كل لحظة في حياتنا…

نحتاج إلى أن نعرف الحق والأفضل وما فيه المصلحة في كل موقف يمر بنا..

وبعد أن نعرف الحق نحتاج إلى أن نحبه ونقبل عليه، إذ قد يعرف الإنسان الحق وما ينبغي فعله لكن نفسه تبقى معرضة  عن فعله لغلبة هوى أو غيره..

هل عرفنا الحق الآن ورغبنا فيه وأقبلنا عليه؟ إذا نحن نحتاج الآن إلى الإعانة على فعله! فكم من عارف للحق وراغب فيه لكنه غير قادر عليه..

هل شرعنا في فعل الحق؟ نحتاج بعدها إلى الإعانة على الاستمرار فيه حتى النهاية،  وهكذا عزيزي القارئ…

ولذلك جاء التعبير الإلهي عن أهل الصراط المستقيم بقوله (صراط الذين أنعمت عليهم)

نعم، إنهم عبارة عن قوم أنعم الله عليهم وكفى.. فأكثروا دعاء الله أن يجعلنا منهم في هذه العشر الأواخر.

ختاما: أعتذر على الإطالة.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker



4 آراء حول “المفتاح الأعظم

  1. فتح الله عليك أبا أويس..
    ورفع قدرك، وبلّغنا وإياك والقارئين منازل المستعينين بالله، المتعلقين به سبحانه..
    التدوينة هذه عزيزة، وأرجو أن يساهم كل من قرأها في نشرها..
    فعلا؛ نحن في عصر تعظيم المادة والركون للأسباب..
    ماهذه التدوينة بثمرة خبرة فقط، بل هي ثمرة الإقبال على القرآن وتفهم معانيه..
    جزاك الله خيرا، وجعل ما تخطه أناملك شاهدا لك.

    إعجاب

  2. تدوينة رائعة يامتفكر اهنئك عليها لما فيها من النصائح والعظة والعبرة ، كانت افتتاحية جميلة لبداية يومي ، وفعلًا البذل بالأسباب لا يكفي بل يجب اللجوء الى الله بكل ما نملك فكما حصل ليونس عليه السلام عندما دعا الله فقط فخرج من بطن الحوت لم يحتج لبذل الاسباب كأن يقطع بطن الحوت ونحوه فقط رفع يديه ودعا الله بكل ايمان بأن ينجيه ونجاه رب العالمين ، وتقبل الله صيامنا وقيامنا وعفا عنا العفو الغفور 🤍

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s