عندما ينفد الصبر!

بسم الله، هل سبق أن سقطتَ في غياهب النفس حتى وصلت إلى هذا القاع؟ حين تشعر أن قواك الداخلية قد خارت، وأن بريق الحياة قد انطفأ من عينيك، تحس أنك لم تعد قادرا حتى على الزحف في الطريق الذي تريد سلوكه- فضلا عن السير فيه-…

في هذه اللحظات تبدأ مرارة الهزيمة في التسرب لحبيبات لسانك، وتحس بالتكسّر يسري رويداً رويداً في روحك، وتعود على نفسك بالتفكير جدياً في الانسحاب واللجوء لطرق أخرى أسهل من هذا الطريق… هذه اللحظات من أشق وأصعب اللحظات على الصابرين المكافحين، قد يعقبها انكسار دائم وانسحاب مُرّ من هذه الجادّة التي اختاروا سلوكها يوم كانت إراداتهم ممتلئة مشرقة، وقد يعقبها إشراق روحي عظيم يعود بعده الإنسان بطلا متوهجا…

في هذه اللحظات قد يرغب الواحد أن يظل ملتصقا بالقاع للأبد! فلو أدلي له ألف سلّم وامتدت له ألف كفّ لما التفت إليها، يتمنى أن يظل في مرقده هذا حتى يسمع قرع نعال الناس والمجتمع جميعا وهم منصرفون عنه!

هاهنا بعض الشمعات التي ألقيها للملتصقين بالقيعان:

الشمعة الأولى: خذ وقتك ولا تستعجل!، حالة نفاد الصبر حالة واردة جدا على من يعيشون ظروفا ساحقة! إنهم بشر في نهاية الأمر، فلا تقلق من نفسك، وأعطها حقها من الانهيار، واعلم أن ما حصل لا يخرجك عن عداد الصابرين، لأن العبرة بما يغلب على الإنسان وليس بالحالات الواردة على سبيل الندرة. حاول الابتعاد مؤقتا عن هذه الضغوط- إذا استطعت- واختل بنفسك وأعد ترتيب أوراقك، من أنت، وما الذي تريد، وكيف وصلت إلى هنا، وغير ذلك من الأسئلة الجوهرية للنفس التي يترتب عليها ضبط الإعدادات الداخلية من جديد.

الشمعة الثانية والأهم وهي سبب كتابة التدوينة في الأساس:

لماذا تصبر! هذا سؤال جوهري جدا، أشعر أن أكثر الناس أو كثير منهم يصبرون لأن هذا هو الخيار الوحيد المتاح، أو يصبرون رغبة في التكيف والتخفيف من ألم النفس، أو غير ذلك من الدوافع…

هناك دافع مذهل جديد كنت غافلا عنه، فلما قرأته دُهشت! ألا وهو ما أرشد الله إليه في كتابه فقال (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم)، هل فكرت يوما أن تصبر من أجل الله؟ بغض النظر عن توقعاتك الشخصية لما سيؤول إليه بلاؤك، ومهما كانت حساباتك للواقع ومتغيراته، تتماسك وتتجلد، تتصلب ولا تنكسر لأجله هو، هذا الدافع هو دافع لا نهائي وغير محدود، وإذا كانت الدوافع الأخرى ستستهلك ولا بد في يوم من الأيام، فسيبقى هذا الدافع الشريف مدرارا لا ينضب، يقول ابن سعدي في هذه الآية: “فإن هذا الصبر النافع، الذي يحبس به العبد نفسه طلبا لمرضاة ربه ورجاء للقرب منه والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه التفاخر، فهذا يصدر من البر والفاجر والمؤمن والكافر”.

ماذا يمثل لنا الله سبحانه وتعالى؟ في قلوبنا ومشاعرنا وتصوراتنا؟ بقدر ذلك سنطيق الصبر، بقدر ما ندرك عظمته، وجلاله، وجماله، وحبه، وقوته، وبطشه، بقدر ما سنتحمل لأجله.

الشمعة الثالثة: كيف تصبر! كثير من أبناء هذا الزمان متأثرون بالثقافة الغربية من حيث شعروا أو لم يشعروا، إنهم يتربون على أدبيات تمجد استمداد الإنسان للقوة والثبات والتحمل من نفسه ودواخله، فلا عجب أن يدب الانهيار إليهم سريعا، لأن الإنسان كائن محدود أولا، ولأن بعض البلاءات والمصاعب هي أكبر وأصعب من أن يتحملها الإنسان، أما عن المؤمن الحقيقي فطريقته في التصبر واحدة لا ثاني لها، وذلك في قول الله (واصبر وما صبرك إلا بالله)، إنها لآية عجيبة، إنها لآية عجيبة، يأمره بالصبر ويخبره في نفس الوقت أن لا صبر إلا بالله، وعندما حكى الله عن الفئة القليلة في ملاقاتها للفئة الكثيرة ماذا حكى عنهم؟ لقد بدؤوا النزال باستنزال الصبر! (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا)، هكذا قالوا!، أرسلوا طلبا عاجلا إلى السماء بأن يصب الله عليهم المطر صبا! فهذه طريق قصيرة جدا لاستجلاب الصبر بكميات كبيرة! اطلبه من الله، وكفى!

الشمعة الأخيرة: مشهد انعدام الصبر فرصة ذهبية لا تعوض للانطراح بين يدي الله، والشعور الكامل الفائق بالعجز أمامه، إن حالة الانخلاع من الحول والقوة إلا بالله العلي العظيم هي حالة نعرفها جميعا من الناحية النظرية! ولكن قليل جدا من يعيشها، وذلك بسبب اتكائنا على حاجز سميك متعدد الطبقات من الأسباب المادية، ذكائنا، قوة إرادتنا، قدراتنا، أرصدتنا البنكية، علاقاتنا الاجتماعية، وإن العبور من خلال كل هذه الطبقات الكثيفة وسبر حقيقتها لهو شيء ليس باليسير، ومن وصل إلى حالة نفاد الصبر فهو الآن في حالة اختراق نادرة لكل هذه الحجب، والتي سرعان ما تتكاثف من جديد لتعود مغطية بصيرة العبد عن حالة الانخلاع، فليعش اللحظة وليتحسس شعور الافتقار الحقيقي؛ فإنه سيفارقه عما قريب.

ختاما: حدثوني عنكم يا أصدقاء متفكر، وكيف تفعلون عندما ينفد الصبر؟

تدوينات ذات صلة بقضية الصبر:

رقية المظاليم

قانون المعاناة الكوني

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


4 آراء حول “عندما ينفد الصبر!

  1. شكر الله لك دكتور

    مبدع كعادتك

    أضيف أمرين مهمين يعينان على الصبر بإذن الله:

    أولهما:
    استحضار حقيقة الصبر، فالصبر هو: حبس النفس على المكروه، فلا يمكن أن تتجلى حقيقة الصبر إلا مع المكاره والآلام، لا مع الملاذ والمحبوبات، فتوطين النفس على هذا المعنى يعين على الصبر بإذن الله.

    ثانيهما:
    استحضار ثواب الصبر، والذي يتجلى في قوله تعالى: ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب))، فهو من العبادات التي لا حد لثوابها، بل هو عائد إلى جود الله وكرمه، وما ظنكم بالكريم إذا وعد؟

    Liked by 1 person

  2. مساء الخير يامتفكر ، اظن اني في مرحلة ما انجرفت إلى هذا القاع ولم انظر للأيدي الممتدة او الحِبال المنسدلة لي فقد فضّلت النجاة وحدي بعد ان آخذ كفايتي من السقوط فقد كانت مرحلة اللا شيء لا شعور ولا ألم فقط ظلام دامِس يتسلل بخفة حتى يغطيني ، وكان الدعاء المتواصل والصلاة والصدقة اسلحتي وكل ما املك حينها فلا يخيّب الله ظن عبده به مادام يُحسن ظنه به 🤍

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s