فن تصعيب الحلال وتسهيل الحرام

بسم الذي خلق الأكوان والمجرات، قد اكتشفنا كوكبا يسميه أهلُه كوكبَ الأرض، واخترنا موقعا يسميه أهلُه الجزيرةَ العربية لإرسال مركبة استطلاع، وقد مكثنا فترة نرقب هذه الجزيرة عن كثب ونحاول تحليل سلوكيات أهلها فوجدنا عجبا!

مما هو مشترك بين الكائنات الحية الحاجة الماسة المتبادلة بين الذكر والأنثى في قضاء الحاجة العاطفية، والنفسية، والجنسية، وهي حاجة تفرض نفسها عليهما باكتمال سن البلوغ، وبالرغم من كون هذا الاحتياج شيئا أساسيا في الحياة؛ إلا أنا وجدنا أن الشاب من هؤلاء البشر إذا ما أراد إطفاء هذه الشهوة المتأججة في جسده، والشابة إذا ما اشتاقت للحبيب الذي يمسح على قلبها من وعثاء الحياة، وللطفل الذي يشبع في أعماقها عاطفة الأمومة، فإنه لا بد من المرور بمجموعة كبيرة من الإجراءات، وتوفير العديد من المتطلبات التي تتناقض مع كون الحاجة للزواج شيئا فطريا مثل الحاجة للطعام والشراب، فمن تلك الإجراءات:

  • يجب على الزوج أن يقوم بتجهيز وليمة كبيرة من أجل زفّ فتاته إليه، يُدعى لها المئات وقد يصل الرقم إلى الآلاف، وهذا ما لا نفهمه!، إذ لماذا يجب على هذا الشاب المسكين الذي يريد إعفاف نفسه عن الحرام وقضاء وَطَرِها بالحلال، أن يُطعم مئات الرجال والنساء حتى يحتضن حبيبة العمر، ولسنا نستعجب إذا ماكان الشاب من ذوي القدرة واليسار، ولكننا نعجب أن يكون الشاب ذا راتب محدود، فيضطر إلى جمع قدر كبير من المال وإلى تأخير زواجه فترة طويلة- وربما وقع في الحرام أثناء ذلك- لكي ينفق هذا المال بأجمعه في ليلة واحدة على هؤلاء الناس الذين لا ينقصهم أكل ولا شرب! ويزداد العَجَبُ عندما تكتشف أن نبي هؤلاء القوم قد قال لأحد أغنياء الصحابة: “أولم ولو بشاة”، مما يدل على براءة الشريعة من هذا التكلف الحاصل، فشريعتهم لا تسمح بأن يكون مراعاة أمر مختلف في سنيته أو وجوبه (وليمة النكاح) سببا مؤديا إلى الوقوع في قائمة محرمة ومتنوعة من الشهوات أو العلاقات التي سيواقعها الشاب والفتاة ريثما يتمكن من جمع هذه الأموال! والذي يبدو لنا من تحليل نفسيات هؤلاء أنه كثيرا ما تكون وليمة الزفاف معرضا للرياء والسمعة والتفاخر والتظاهر عند العائلات على حساب هذا المسكين وهذه المسكينة.
  • وعند جمع هذا العدد المذكور فلا يجوز أن يطعمهم أي طعام! بل لا بد من إطعامهم أغلى طعام في ذلك المجتمع، ألا وهو الأرز واللحم، ولقد تضاعف سعر المواشي في ذلك المجتمع عدة مرات حتى بات سعر الشاة الواحدة ينيف على ألف ريال ولكن لم يستطع أحد إلى الآن أن يكسر هذا القانون الصارم! يجب عليك إطعام الناس لحماً ولو كنت أفقر خلق الله، ولو كنت ممن يستحق الزكاة شرعا، وإلا أكل الناس لحمك وعرضك أنت حتى لا يتركوا منه مزعة لحم.
  • وليست حفلة الزفاف هي المناسبة الوحيدة، بل هناك مناسبات قبلها أو بعدها تزيد وتنقص وتختلف أسماؤها من بيئة إلى بيئة.
  • ومن الغريب كذلك أن كثيرا من أفراد هؤلاء المجتمع بات يرصد أرقاما مبالغا فيها لمهور بناته وكأنهن بضاعة تكون جودتها على حسب سعرها، رغم أن زوجات نبيهم صلى الله عليه وسلم وبناته، وهن سيدات المسلمين بلا نزاع، كن أخف النساء مهورا، بل إن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عندما أراد علي رضي الله عنه أن يتزوجها لم يكن عنده شيء يُمهِرها إياه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يُمهِرها درعا كانت عنده، وزوَّجَ أحدَ الصحابة الفقراء بما يحفظه من القرآن، فلم يكن المهر أبدا مشكلة في العهد النبوي الذي يعدّونه العهد المثالي، وقد حثهم نبيهم حثا صريحا على تخفيف المهر بقوله (خير الصداق أيسره) وإذا كان خير الصداق أيسره فسيكون شر الصداق أعسره، ولا شك أن هذا الشر له تبعات أخرى!
  • ووجدنا عند بعض البيئات أنهم لا يكتفون في عرقلة الزواج وتصعيبه بالمهر، بل يضيفون إليه قائمة من الهدايا الإجبارية التي يجب على الزوج تقديمها إلى أم الفتاة وعماتها وخالاتها، فأي ابتزاز هذا! ولو كان الأمر مُناطا باليسار والقدرة والاختيار الحر من الشاب لما استغربناه، لكنه للأسف مناط بالعرقية أو القبيلة وبغض النظر عن اعتبارات القدرة والاستطاعة الشرعية التي يقول عنها كتابهم المقدس (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (فاتقوا الله ما استطعتم).
  • ووجدنا في بعض البيئات أنه يجب على الشاب عند التقدم لخطبة الفتاة أن يكون مرتبطا بوظيفة عامة أو خاصة، كأن الموظفين هم فقط الذين تكفل الله برزقهم، رغم أن كتابهم المقدس يقول (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) علماً أن نظام الوظيفة هذا جديد نسبيا على بني آدم، وأما أسلافهم منذ آدم عليه السلام إلى القرن الماضي فقد كانت الحياة تسير والزواجات تتم دون وجود نظام الوظائف هذا، فكأنهم أدرجوا شرطا إضافيا في وصية نبيهم (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) فصارت (إذا أتاكم من ترضون وظيفته ودينه وخلقه)، وتأمل آخر الحديث (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)
  • أيضا لا يسمح للفتاة عندهم بأن تقتدي بخديجة زوجة نبيهم عليه الصلاة والسلام عندما كانت الطرف المبادر في زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل لا بد أن تبقى الفتاة تنتظر حتى يأتيها فارسها طارقا بابها، وإن لم يأت فلا يمكن السماح لها ببذل الأسباب التي لا تخالف الشرع.
  • والعجيب أنه يقابل هذا التصعيب البالغ للزواج حصول المزيد والمزيد من السهولة في نيل الحرام والشهوات والفواحش التي تصل إلى حد الكبائر، فلا ندري أين عقول الكبار في هذا المجتمع، حتى إنك لتكاد تشعر أن كبار السن هؤلاء لم يمروا يوما بتلك المرحلة التي تستعرُّ فيها شهوة الشاب على أشدها فلا يدري ماذا يفعل، أو لم تمر هذه الأم بتلك المرحلة التي كادت تذوب فيها من فرط شعورها بالوحدة وهي تنتظر متى يتجاوز الشاب كل العقبات المذكورة في الأعلى حتى يصل إليها بالحلال.
  • آخر عجب في الموضوع: أن في تراث هؤلاء القوم خبر قديم من نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيه بيان أن (إبليس) وهو رأس الشر في عالمهم سيركز على محاربة الزواج وأن مرتبة أعوانه في الشر قربا وبعدا مبنية على مدى إنجازاتهم في هدم الزواج، فكيف يرضى أتباع هذا النبي بعد هذا الحديث أن يكونوا أدوات في خطة إبليس- شعروا أو لم يشعروا- في تنفير الناس من الزواج وتعسيره عليهم، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ إبليسَ يضعُ عرْشَه على الماء، ثم يَبْعَث سَراياه، فأدْناهم منه منزِلةً أعظمُهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فَرَّقتُ بينه وبين امرأتِه، قال: فيُدْنِيه منه ويقول: نِعْم أنت». قال الأعمش: أراه قال: «فيَلْتَزِمُه»
  • هذه خلاصة تقريرنا عن ذلك المجتمع (الإسلامي).
  • معلومة: وفقا للهيئة العامة للإحصاء في السعودية، يبلغ عدد العوانس 227،860 عانس، والمقصود بهن من بلغت 32 عاما دون أن تتزوج، وهو ما يعادل 10% من السعوديات إجمالا وفقا للهيئة، وهذا لا يشمل المطلقات وفئات أخرى، قرابة ربع مليون عانس! اللهم نبرأ إليك من هذا المنكر.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


7 آراء حول “فن تصعيب الحلال وتسهيل الحرام

  1. مساء الخير يا متفكر ، ومن المشكلات الأخرى من يسمونهم المشاهير فكل ما يفعلونه من أجل هوس التصوير يضر غيرهم من الفئات التي لا ترضى إلا بما يرضي جشعها عندما تشاهد هذه المبالغات في الصرف والترف المزيف ، يتراود لسمعي كثيرًا أن الأغلبية منهم ليس لديه مايكفي حاجته وحاجة زوجته وأطفاله ولكنه بكل بساطة يستطيع السفر وشراء أغلى الماركات وتصويرها ونشرها وخداع الناس أنه من أثرى الأثرياء وهو من أفقرهم !!

    Liked by 1 person

  2. دائمًا عند حديثي عن هذا الموضوع والنقاش حوله أُتَّهم بالاعتداء على العادات والتقاليد؛ استغرابي ليس في ذلك، بل فيمن يقوم بهذي الأمور وهو”مقروف” منها وتراه أول من يدافع عنها بحجة التمسك بالأعراف والتقاليد واحترام الكبار من الأهل وايش بيقولون الناس!🤨
    لو يأتي في كل قبيلة أو طائفة أو ايًّا كان من يبدأ في سن أعراف أجدد وألطف وأقل كلفة عسى أن يفتح الطريق للباقين وتصبح هذه الطريقة المتعارف والمتعاهد عليها عندهم..لأني لاحظت أن الفكرة ليست مرفوضة لكن التخوّف عند الغالبية من القيام بأمر جديد؛ لذا تنقصنا الشجاعة الحكيمة فقط
    اصبح املي الآن بعد الله في دعواتي وتدوينتك هذه لعل في وقتنا يكون التكلّف أخف

    Liked by 1 person

  3. سلمت أناملك على هذه التدوينة الرائعة
    وأنا أعتقد بإني لمست في الفترة الأخيرة تأييدا كبيرا لفكرة الاقتصاد في تكاليف الزواج، وحتى لو كان الشخص مليئا فالأفضل استغلالها فيما يسعده هو وزوجته من سفر وسياحة و…
    وليس الإنفاق على على حفل كبير والغرق في سيل الديون لسنوات!!

    سائلا الله أن ينتشر هذا الفكر في المجتمع

    Liked by 1 person

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أحب مطالعة قديم التدوينات
    وإن لم تكن هذه بالقديمة، لا سيما موضوعا، فإن موضوعها لمن أجد المتجددات.
    لكن، كلامك صحيح كما هو معلوم، لكن لدي هنا خاطرة طالما راودتني، وقد ذكرتها ضمنا، الإنسان المتعرض لمشكلة ما أو خطر ما أو أي مكروه، يقوم بمواصلة السلسلة كما لو لم يكن شيء، الوالد الذي عاش طفولته، وأدرك المشاكل التي وقع فيها والمشاعر التي اكتنفته، لم لا يجنب هذا أطفاله؟! لك لا يتفهمهم ويراعي حاجتهم وحالتهم؟!
    المدير الذي كان يوما موظفا، ألم يعلم بمشاكل الموظفين؟!
    الدكتور والأستاذ الذي كان يوما ما طالبا، ألم يعلم بتحديات الطلاب؟!
    بلى! قد علموا!!
    ولكن
    رب عالم كمن هو جاهل.
    وليس هذا وحسب، بل شر الطوام ما خفي.
    ولو ناقشهم هؤلاء المساكين لقالوا وقد طفحت بالدهشة والاستغراب المستنكر وجوههم: ألا تعلم كيف كنت؟! ألا تعلم كيف عذبني والدي؟! ألم تعلم كيف كان عصرنا؟! كم تكبدنا وما قاسينا؟!
    ألم تعلم كيف كانت دراستنا؟! كم سهرنا وكم سطرنا؟! كم طلب منا من البحوث والدراسات؟! كم جعنا وكم عطشنا في سبيل تحقيق الغايات؟!
    كيف تقلبت بين المديرين؟! كيف جروني لين المكاتب؟ كيف بهدلوني على أبواب الإدارات؟!

    هؤلاء قل لهم: حقا؟! تالله؟! 😱، أفأعجبكم ذلك؟! 😯، فلم تواصلون تلك المسيرة المنكودة؟!

    ويل لهم! ألا خابوا وساء صنيعهم!
    نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن رأى صراط الرشد فسلكه، وعاين مفازة الضلال فتنكبها.
    آمين
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    Liked by 1 person

اترك رداً على رَ إلغاء الرد