سيدي يا رسول الله

بسم الله، والصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله، أما بعد:

فأنا مسلم من أمتك العظيمة، يكتب لك بعض خواطره في القرن الخامس عشر الهجري، ذلك أن أكثر من شخص من القرّاء عندي في المدونة قد طلبوا إلي أن أكتب تدوينة عن حجية السنّة! إي والله! هل تتخيل هذا يا سيدي! كفاحك العظيم الذي نوّرت به الدنيا طيلة 23 سنة من مبعثك إلى وفاتك، آلامك، تضحياتك، دمك، دموعك، ضحكاتك، تعاليمك، نورك، هديك، وصاياك، وتفسيرك وتطبيقك للقرآن العظيم كل ذلك بات محل نظر وشك في حجيته!

صحيح أنه لا يُتصوّر من مسلم- أو هكذا كنت أتصور- أن يأتي فيرفض سُنّتك بأسرها، فهذا يصعب أن يصرح به الشيطان نفسه- لأسباب اجتماعية على الأقل- وإنما قصدت أن تأتي بعض الطوائف فتقول: لا يكفينا أن يصل إلينا الحديث في طبقاته الثلاثة أو الأربعة برواية واضحة متصلة عبر رجال على قدر عال من التقوى والصدق وقوة الحافظة ودقة الضبط- وإن تعدَّدوا-!

لا يكفينا ذلك بل نرغب في إضافة شروط خاصة بنا حتى يصبح هذا الحديث مُلزِما وحجة على الجميع! تصوَّر هذا يا سيدي!

و في حين كنت أظنها انحرافات معاصرة؛ إلا أني اكتشفت أنها بدأت منذ تاريخ بعيد، فكان من أول من بدأ ذلك طائفة انشقت عن السلف الصالح وسميت بالمعتزلة، قالوا لا حجة في أحاديثك سيدي إذا خالفت المعقول! وجعلوا معاييرهم العقلية وطريقتهم في التفكير معبرة عن العقل البشري بأجمعه! فكأنهم أوثق بصحة أحكامهم العقلية من حديثك يا مولاي! أوليسوا مؤمنين بأن نبيهم (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي)، فكيف يُعقل أن يأتي وَحْي مِن الذي خلق العقل البشري ويكون مضمونُه مخالفا للعقل!

وهناك طائفة قالت: لا يكون حجة حتى يصل إلى حد التواتر! أي يجب أن يبلغ عدد الرواة في كل طبقة من طبقات الإسناد عددا معيناً يصلون معه إلى القناعة بقطعيته يا سيدي، ومعنى هذا أن هؤلاء لو عاصروا بعثتك الشريفة يا قرة عيني لكنهم كانوا في أطراف الجزيرة العربية- على سبيل المثال-، فأرسلت إليهم تعاليمك مع أبي موسى الأشعري أو معاذ بن جبل أو غيرهما من صحابتك لما اعترفوا بحجيتها إذ لم تصل حد التواتر، أما حد التواتر هذا فقد اختلفوا فيه طرائق قددا يا سيدي، فمنهم من يقول يجب أن يتوفر سبعون راويا على الأقل في كل طبقة!، ومنهم من يقول 317، ومنهم ومنهم، فلا أدري كيف يجرؤ الواحد أن يأتيه حديث رواه العدول الأفذاذ بأسانيد كالشمس في وضوحها ونقائها ثم يقول إنها ناقصة في الحجية بسبب عدم انطباق هذه المعايير التي اخترعوها وليس عليها أي برهان، ولست أقصد سيدنا قسمة الحديث إلى متواتر وآحاد لأجل الموازنة بين الأحاديث في قوة الثبوت وغير ذلك من المسائل العلمية، فهذا مبثوث في كتب التراث، إنما أقصد من حصر الحجية في المتواتر سيدي، وبالتالي أسقط حجية 99% من تراثكم لأن ما ذكروه لن ينطبق إلاّ على قدر محدود جدا من السنة!

ومن أشد الطوائف إغاظةً لي وتطرّفاً في الإعراض عن سنتك سيدي طائفة يسمونها (القرآنيين)، قالوا لا حجة إلا في القرآن! فاللهم عفوك، والطريف أني رأيت منهم من يُظهِر بأن تصرفهم هذا إنما هو من باب تعظيم القرآن! رغم أن موقفهم هذا إما أن يكون فيه عصيان للقرآن في أكثر من أربعين آية أمرت بطاعتك واتباعك سيدي، وإما أن فيه اتهاما خطيرا للقرآن في صياغته وقدحا في فصاحته وبيانه، فإن القرآن أمربطاعة الرسول على العموم والإطلاق في جميع ما جاء به عليه الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، وقوله (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وهؤلاء كأنهم يقولون: ليس كل ماجاءنا عن الرسول نأخذه،- عياذا بالله- بل نأخذ منه القرآن فقط، أو نأخذ منه المتواتر فقط، فكأنهم يستدركون على الله- حاشاه-، وهذه خطيئة منفردة في حذ ذاتها، خطيئة الاستدراك على الله جل جلاله، وهل يعجز أصدق القائلين سبحانه أن يضع لنا أحد معاييرهم المزعومة هذه في آية واحدة على الأقل من كل هذه الآيات العظيمة التي تأمر باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، فصار يلزم من أقوالهم هذه أن القرآن يدل على معان باطلة وضلالات- والعياذ بالله-

في الحقيقة كلما تأملت في كلام هؤلاء القرآنيين أجدهم أبعد ما يكونون عن القرآن ذاته! فهم يقصرون وظيفتك سيدي على الجملة الأولى في الآية التي فصَّلت وظائفك نحو الأمة ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) فكأنهم قبلوا منك الوظيفة الأولى وهي تبليغ الآيات بلفظها، وأما بقية الوظائف ومنها تفسيرك للقرآن، فهم عنها معرضون والعياذ بالله.

نعم صحيح، أدرك يا سيدي أنك تعلم أن كثيرا من هؤلاء قد يكون دافعهم الخفي هو تجاوز الأحكام الشرعية المبثوثة في سنتك بحيث يتسنى لهم انتهاك ما يشاؤون من أحكام الحلال والحرام بحجة أنه لم يبلغ مبلغ الحجية المزعومة، وهذا يدل على أنهم- للأسف- ينظرون إليها كقيود وليست إرشادات جاءت لأجل مصلحتهم، إنهم مثل شخص يريد أن يسير في أراض خراب شاسعة بدون علامات إرشاد ولا لافتات حماية، أو ليسوا يقرؤون في القرآن قوله ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقوله ( عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) هل هان عليهم فوات هذه الرحمة والحرص والرأفة النبوية المبثوثة في أحاديثك سيدي! اللهم اهدهم وردهم إلى السنة ردا جميلا.

ولا يزال هذا التيار يتوالد ويتناسل، فيوجد من يقبل سنتك يا سيدي بشرط أن لا تتعارض مع العلم التجريبي المعاصر الذي يعدونه أوثق وأقرب للحقيقة من وحيك، ويوجد من يقبلها بشرط أن لا تتعارض مع مبادئ الحضارة الغربية المعاصرة في الديمقراطية والحقوق والحريات، وبعضهم يشترط هذا لا شعوريا، فتراه إذا جاء شيء من سنتك يعارض مفاهيمه بدأ يحوم ذات اليمين وذات الشمال حتى يتحلل منه، وكثيرا ما أتذكر- عند رؤية هذه التيارات خطاب الله لليهود في زمن النبوة حين أنكر عليهم تجزئة الوحي فقال (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) والكتاب المقدس عند اليهود في زمن النبوة يشبه السنة عند المسلمين أكثر من القرآن، حيث قد وصل كتابهم إليهم بروايات متعددة من رجال مختلفين، ورغم ذلك أنكر الله عليهم صنيعهم.

كان هذا بوح لك يا سيدي بشيء من آلامي، وإلا فمعظم أمتك لا يزالون بحمد الله معظمين لسنتك، محبين لها مشتاقين للحظة لقياك والتنعم بالنظر إليك والحديث معك، والفوز بشفاعتك، وإن حصل منا ما حصل من التقصير في العمل بها.

قال صلى الله عليه وسلم: (أنا فَرَطُكُمْ علَى الحَوْضِ، ليرفعن إلَيَّ رِجالٌ مِنكُمْ، حتَّى إذا أهْوَيْتُ لِأُناوِلَهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي، فأقُولُ: أيْ رَبِّ أصْحابِي، يقولُ: لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ) ومعنى اختلجوا أي جُذبوا وأُبعدوا.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


3 آراء حول “سيدي يا رسول الله

  1. مساء الخير يا متفكر، أتعجب كثيرًا من طريقة تفكير هذه الفئة وأتعجب أكثر لمن يرى أنهم على حق فيما يقولون أو أن في كلامهم بعض الحق ، هداهم الله وردهم إليه ردًا جميلًا.

    إعجاب

  2. نعم هذا ما نحتاج إليه من الحجج لمن يُسفه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم
    بلغ منهم من السفاهة أن يقول أحد مشايخهم أنه يقدم كلام طبيب كافر على كلام رسول الله في حديث الذبابة المشهور
    فنتبرأ من أمثال هؤلاء ونأسف أنهم كانوا في بلادنا، للأسف له أتباع كثر يصدقون كلامه ويكذبون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن برءاء منهم.

    إعجاب

اترك رداً على Muad Al-haj إلغاء الرد