ترشيد استهلاك القراءة!

بسم الله، مرحبا يا رفاق، اشتقت إلى الكتابة إليكم، هناك شيء يغيظني كلما مر بي، ألا وهو الدعوة (المفتوحة) إلى القراءة!، هناك من يدعو إلى القراءة باعتبارها مجداً مقصوداً لذاته، وكأنها معيار الذكاء والنجاح والرقي والتحضُّر، تخيّل أن نُطلِق دعوةً مشابهةً لتمجيد الأكل في ذاته! لا شك أن الأكل مطلوب في الجملة، وبه يحيا الكائن الحي، ولكن هل يعني ذلك أن ندعو الناس للأكل لمجرد الأكل؟بغض النظر عن المأكول سواء كان سُمَّا زُعافاً أو غذاءا مفيدا أو شيئا لا فائدة من أكله ولا مضرة!

ربما في فترة مضت من تاريخ البشرية؛ وقبل اختراع الطّباعة؛ لم يكن يصل إلى متناول الناس من الكتب إلا ما يتوفر فيه حد أدنى من الصلاحية للانتشار!، وذلك لأن الكتاب في تلك الأزمنة يمر بالعديد من مراحل الانتخاب الطبيعي- إن صح التعبير-، فلا يُقبِل النسّاخ والكتبيّون على تداوله إلا بعد نيله الثناء من أهل التخصص في موضوعه ونحو ذلك، أما الآن فقد اختلف الأمر! يمكن لأي أحد من الناس أن يؤلف كتابا! مهما بلغ محتواه من التفاهة فضلا عن أن يكون أسوأ من التفاهة، مثل الكتب والروايات التي تحمل في طياتها شبهات في الإيمان أو محكمات الإسلام وثوابته أوغير ذلك!

والأسوأ هو أن يستدل هؤلاء الناس على دعوتهم (المفتوحة) للقراءة بنصوص من القرآن والسنة، مثل الاستدلال بآية (اقرأ باسم ربك الذي خلق) والتي نزلت في سياق أمر جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن، فالآية تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن الذي بدأ تنزيله عليه من تلك اللحظة التاريخية في حياة البشرية، وهؤلاء يستدلون بها على أن الشريعة تأمر الإنسان بالقراءة المطلقة لأي شيء!

ولقد عرفت شخصا من هؤلاء المقدّسين للقراءة، كان يقول لمن حوله: عوِّدوا أبناءكم على القراءة بأي وسيلة، حتى ولو بقراءة الروايات الإباحية! هذا الشخص حاليا هو عبارة عن خليط بشع من مختلف الفرق المبتدعة، عنده شيء من التكفير، وشيء من بدع الرافضة، وشيء من بدع المعتزلة، ويعتبر نفسه مثقفا إسلاميا ومنفتحا تبارك الرحمن! وبالفعل لو تأملت في حال العديد من ضحايا الإلحاد أو التكفير فستجده أولغ في القراءة في أشياء غير متناسبة مع مستواه الفكري والعلمي.

ولو كانت القراءة ممدوحة في كل أحوالها لما جاء في السنة التحذيرات التالية:

جاء في صحيح مسلم عن عائشة في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لآية المتشابهات والمحكمات في آل عمران: قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: إذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ. وبالتالي إذا ألّف هؤلاء الناس كتبا فماذا نفعل؟ وجاء عند أحمد والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب ألم آت بها بيضاء نقية، لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي)، رغم أن التوراة فيها خير كثير من الإيمان بالله وتمجيده والثناء عليه مقارنةً ببعض النفايات الفكرية التي يتم تداولها اليوم.

فالحاصل أن القراءة- بالنسبة لي- نشاط بشري محايد، قد يكون ممدوحا شرعا، وقد يكون مذموما، وقد يكون مباحا، بحسب القارئ والمقروء، ولا يفهمن أحد أني أزهّد في القراءة المباحة، فلقد قرأت في حياتي الكثير والكثير جدا من الروايات البوليسية وروايات الرعب- ولا زلت-، لكني أقصد أن يوضع كل نوع من القراءات في مكانه المناسب واللائق به.

وهناك قضية أخرى تغيظني أيضا، لكنها أقل إغاظة من القضية الأولى؛ ألا وهي جعل الإكثار من القراءة هدفا مقصودا في ذاته أيضا، بدون الالتفات إلى استيعاب المقروء واستثماره وتوظيفه في حياة القارئ أو غيره، وقد يظهر هذا جليا في هذا الوقت من العام حيث يستعرض بعض الناس قوائم مقروءاتهم بكل فخر للعام المنصرم، بحيث تشعر أن للأمر علاقة ما بقضية التكاثر الواردة في سورة التكاثر، وهنا سأريح نفسي من شرح فكرتي وأستعيض عنها بنقل بعض الاقتباسات المتعلقة بها لأظهر لكم مدى ثقافتي🤣

(كثرة القراءة لا تجعلنا أكثر ذكاء. فبعض الناس يلتهمون الكتب من دون الوقفات الضرورية للتفكير، هذه الوقفات ضرورية من أجل هضم المقروء ومعالجته، من أجل استيعابه وإدراكه. إن القراءة تقتضي إسهام القارئ فيما يقرأ، ويحتاج هذا إلى وقت، كالنحلة تُحول الرحيق في بطنها إلى عسل) بيجوفتش.


‏(القراءة تزود العقل بمواد المعرفة فقط ، بينما التفكير هو الذي يجعل ما نقرأه ملك لنا) جون لوك.

(أنا أقرأ من أجل المتعة وهذه هي اللحظة التي أتعلم فيها أكثر) مارجريت أتوود. (بصراحة لا أعرف القائلة، ولكن يبدو أنها شخصية مهمة 👌)

(لا أندفع في القراءة كأنني في سباق، بل أعيد قراءة الأجزاء التي أعتقد أنها الأهم حتى أفهم مغزاها) هاروكي موراكامي.

ختاما: ماذا عنكم أيها المتفكرون، وهل تشاركونني في رأيي أم ترونني مبالغا؟

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


14 رأيا حول “ترشيد استهلاك القراءة!

  1. يجب أن تقرأ حتى تعرف، و عندما تعرف تفكر، فلو كان الكتاب لا بد أن يكون جيداً لينسخ ما وصلتنا كتب التراث و التي تحمل في طياتها من الحكمة و التفاهة على حد سواء.

    القراءة أداة للمعرفة و تدريب العقل على التفكير.

    إعجاب

    1. مرحبا سديم،
      ليس كل من يقرأ يستطيع أن يحاكم ما يقرؤه،
      هل أستطيع مثلا أن أقرأ عدة كتب عشوائية في الطب البديل وأنا غير متخصص في هذا المجال وبالتالي ليس عندي منهجية علمية ولا أدوات تمكنني من الترجيح بين آرائهم المتعارضة؟
      مجرد شعور الانسان بالذكاء لا يعني استغناءه عن ضرورة امتلاك الأدوات التي يختص بها كل مجال..

      القراءة أداة للمعرفة إذا مورست بشكل صحيح- من وجهة نظري- وإلا فهي نشاط محايد

      Liked by 1 person

  2. مساء الخير يامتفكر ، لكل منا وجهة نظره الخاصة ، فأنا من وجهة نظري أتفق أن القراءة توسّع مدارك الإنسان ولكنها في نفس الوقت تُدخله متاهات لا بداية لها ولا نهاية ، لذلك الحيادية لا تنطبق على القراءة فحسب بل بكل شيء في حياتنا ، ويجب على المرء معرفة ما يغذي عقله تغذية سليمة ومايغذيه تغذية بلا فائدة مجرد أن يلقي فيه كل مايجده ومايغذيه تغذية مُضرة تؤدي إلى هلاك عقله فلا يفرِّق بين الصواب والخطأ ، ختامًا ؛ ليس كل من يقرأ مثقف وليس كل من لا يقرأ جاهل.

    Liked by 1 person

    1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      أظن أنه من الأفضل أن نقول
      المثقف من يقرأ كل شيء
      والعالم من يقرأ أشياء محددة بعناية وتفكير وعلم سابق لما يريده، ويستفهم العلماء عن المشكلات.

      أما بالنسبة لهل يعد كل قارئ مثقفا؟! فهذا أمر لا أبُتّ فيه، لأنه يرجع إلى أصل معنى مثقف، بالنظر إلى معناه اللغوي، فأظن أن كل قارئ مثقف، لكن يتفاوت التثقيف والتثقف بحسب القراءة كما وكيفا.
      والله أعلم
      والمجال للرد مفتوح إن أخطأت أو سهوت
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      Liked by 1 person

      1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        ليس لي من الفضل شيء
        كنت قد سمعتها من أحد الأشخاص
        لكن كان الفرق فيه تضاد واضح لا أذكره للأسف 🥺.
        أود أن أقول أنني معجب حقا بأفكارك وخواطرك تلك التي ترقمها على صفحات مدونتك، لا أَكْذبك، إنني بها معجب صدقا.
        بارك الله فيك ونفع بك، لكن لم أفهم تخصصك بالضبط في الكلية، فهلا أوضحت لي ذلك جزيت الخير.
        والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

        Liked by 1 person

  3. بالنسبة لي شخصياً لا أرى أن قراءة الروايات خصوصاً الغربية لها فائدة سوى مضيعة الوقت، الوقت أغلي شيء عندنا، إذا كان لدينا وقت للقراءة فاﻷولى أن يكون للقرآن، ثم لعلومه و لأحادايث رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيرة. شخصياً ما أقرأه من الغرب هي أشياء محدودة مثل المقالات التقنية التي استفيد منها في مجالي أو مجالات لدي فيها هوايات أشاركها مع أبنائي مثل الفيزياء والعلوم المختلفة لكن مع الحذر أنها تحتوي على أفكار علمانية وعدم الاعتراف بالخالق، للأسف هي أكثر توفراً من المحتوى العربي والذي أحياناً يكون مترجم من غير أسلمة وتغيير للفكر

    Liked by 1 person

    1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      رائع
      أشعر كما لو قابلت صديقا أو معرفة
      لاحظت أن تدويناتك بها خير فتابعتك
      ثم فوجئت بوجود تعليقك هنا
      حيث أن هذه التدوينة قديمة نسبيا، أما أنا فحديث في ووردبريس.
      وإنني لأنقب باحثا عن مفيد في المدونات، فما وجدته نافعا تابعته، وكان مما وجدته هذه المدونة، ومدونتك بالطبع.
      كيف الحال في بلدك؟!
      دمت بخير، وعافاك الله
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

      Liked by 2 people

      1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        جمع الله شملكم، وفرق جمع من أراد المسلمين بسوء، وأعانكم ويسر لكم إلى الخير والعافية سبيلا.
        والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

        Liked by 1 person

اترك رداً على أبو إياس إلغاء الرد