الصابر

بسم الله، سبق أن كتبتُ في المدونة عن بعض الملهِمين الذين أثّروا في حياتي، وها قد صعدت روح أحدهم إلى السماء قبل أيام، ألا وهو رحيمي محمد عالم بخاري، زوج عمتي منور حفظها الله، والعجيب في أمر هذا الرجل أني تأثرت به مراراً رغم أنه لم يوجّهْني توجيهاً مباشراً لكني كنت أراقب حاله وأتفكر فيه كثيرا، فهو من النوع الذي يؤثر فيك بلسان حاله لا مقاله، وكثيرا ما يكون الفعل أبلغ من القول، ناهيك عن كون الرجل قليل الكلام بشكل عام، ثم إنه مع تردّي حالته الصحية لم يعد يقوى على الكلام أصلا، وقضى آخر سنين حياته صامتا تقريبا.

وفي حين أن الواحد منا إذا أصابه صداع أو زكام فإن نفسيتَه تضطرب، وأخلاقَه تسوء، ويملأ الدنيا ضجيجا فإن هذ الرجل قد بدأت أجزاء جسمه ومعالم صحته تتساقط منذ 17 سنة تقريبا وهو صابر ثابت، فبعد أن قام بعملية في قلبه عام 2007 صارت أي عطسة أو ضحكة أو غصة تؤدي به إلى حالة إغماء بسيطة، بعد ذلك تم منعه من الأكل الطبيعي عن طريق الفم، وصار يتلقى السوائل المغذية عن طريق أنبوب من فتحة الأنف إلى المعدة عام 2013، وبعد معاناة مع التهابات الرئة قام الأطباء في عام 2016 بفتح موضع في حلقه للشفط المستمر لما يتراكم هناك، ثم قاموا بتركيب جهاز في رأسه لشفط سوائل في الدماغ كانت تسبب له حالات غيبوبة، ومن ذلك العام تحديدا وهو ملازم لسريره لا يقدر على مغادرته، بعد ذلك في عام 2021 لم يعد قادرا أيضا على التنفس شهيقا وزفيرا إلا بجهاز متصل به طيلة الوقت! وليست عظمته في أطنان الابتلاء هذه وحسْب! إنما العظمة في رجل يفقد القدرة على الأكل، والقدرة على التنفس، والقدرة على الحركة وغيرها، ويصبح حبيس فراشه قرابة 8 سنوات ثم لا يُؤثر عنه طيلة هذه السنوات كلمةُ تضجّر على ربه أو تشكٍّ من أقداره، وهذا غريب في عالم الواقع، وربما لم أكن لأصدّقه لو حكاه أحد لي، ولا يكاد يمر بالإنسان إلا في كتب السالفين وسير السلف الصالحين-تبارك الله-، وانظر في نفسك عزيزي القارئ، هل تطيق أن تبقى متألما تعاني يوما أو يومين دون أن تفوه بكلمة!

كانت الأسابيع تمر، والشهور تمضي، والأعوام تتوالى، وكلما زرت عمتي أمرُّ عليه فأجده كما هو ممددا على سريره، تشرق الشموس وتغرب، ويولد أحفاد ويتزوج أحفاد، وتتعاقب صروف الدهر، والرجل كما هو أسير فراشه، في كامل وعيه وعقله، جبل في ثباته وصبره وسكونه، فاللهم ارفع درجته عن كل لحظة معاناة صامتة مرت به.

وقد كان هادئا طيلة حياته، ولم أره في حياتي غاضباً إلا مرة واحدة، حيث كنت في زيارة لبيتهم- أيام المراهقة-، وحان وقت الصلاة فذهب لأدائها كعادته في مسجد الأمير أحمد، وأظننا بقينا نلعب البلاي ستيشن- أنا ونسيم ابنه- حتى عاد من الصلاة واكتشف أننا لم نقم من جلستنا تلك، فاحتقن وجهه واحمر وانفجر غاضبا بالكلام تجاهنا، وصدمني أن هذا الهدوء قد انكسر لأول مرة، وهذه الواقعة يُحمد عليها في الحقيقة، لأنها غَضْبةٌ لله، وعلى سنة رسول الله، الذي كان لا يغضب لنفسه عليه الصلاة والسلام، بل يغضب لله عز وجل عند انتهاك أوامره، وقد أخبرتني عمتي أنه كان يتعرض أحيانا للإساءة من بعض الناس، فتغضب لأجله وتطلب منه الرد، فيقول لها: وماذا أستفيد إن رددت!

وفي زيارة أخرى من زياراتي لبيت عمتي كان جالسا على الأرض، وكان هناك خبر في الصحيفة يفيد بأن الجهات المختصة قد قامت بضبط مصنع خمور يقوم بإنتاج كميات كبيرة منها، وأنا جالس بجواره، فقال تعليقا ملأ عقلي وقتها، قال لي: لو لم يكن هناك طلب كبير يستهلك هذه الكميات لما قاموا بإنتاجها!، فأعجبني استنتاجه وقتها.

ثم إن من لطف الله بعباده، أنه إذا ابتلاهم في جانب من الحياة أغدق عليهم العطاء في جوانب أخرى، وقد رأيت هذا في حياة الفقيد، فقد رزقه الله زوجة تحبه، وأولادا في غاية البر والرحمة بهما، ولئن ظل الفقيد يغوص في طبقات المعاناة طيلة السنوات السالفة فلا تسمع له تذمرا، فلقد كانت له زوجة تخدمه وتعكف على رعايته بكل ما عندها رغم تقدمها في السن بلا تذمر منها أيضا، بل بكل مودة ورحمة، وكانت تظل طيلة الليل ساهرة تترقب اللحظة التي يقرع فيها جرسه أو يحتاج إلى عون في ضبط الأجهزة الحساسة التي تحيط به، وهكذا إلى أن تستيقظ الخادمة في الثامنة أو التاسعة فتحل محلها، حتى أتى لها الأولاد بخادمة ثانية، فكانت تعاتبهم أن حرموها من القيام على زوجها في الليل، وأنا أتكلم هنا عن امرأة بلغت السبعين من العمر-تبارك الرحمن-، يشبه الأمر قصة سيدنا أيوب مع زوجته ليا من بعض الأوجه، وأظن أن دوستويفسكي لو كان جارا لهما لقام بتأليف رائعة من روائعه على حس هذه العلاقة، وأما عن أولادهما؛ فتلك ملحمة أخرى من الحب والحنان، حيث كانوا يسارعون لتغطية الأوقات بينهم على ملازمة والديهم، على اختلاف وظائفهم وسَكَن بعضهم خارجَ مكة، وبالجملة فهذه أسرة أنزل الله عليها من خزائن التراحم والسكينة الشيء الكثير-تبارك الله- فاللهم اجمع شملهم في الدنيا والآخرة.

أما عن عمتي فأقول لها: لقد قدم حبيبُك على من هو أرحم به منك، فتلقرّي عينا بذلك، لقد انتهت مرحلة الصبر وبدأت مرحلة الجزاء بإذن الله، فالقبر أول منازل الآخرة، ولعل سبقَه لك إلى الآخرة كان أهون من أن تكوني أنت السابقة، والحمد لله أن حبل وصالك به وباب نفعك له لا يزال مفتوحا بفضل الدعاء والصدقات، وإن هو إلا فراق مؤقت بإذن الله، فالمؤمنون ليسوا كالكفار الذين (خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) .

ختاما فإني لم أرد التقصي في ذكر محاسن الرجل، وإنما أردت توصيفَ خصلةٍ معينةٍ فيه ألا وهي خصلة الصبر، ومواساةَ أسرته في فقده، وتهنئتَهم أن أباهم قد أحرز أعلى الدرجات بإذن الله في خصلة أثنى الله عليها وعلى أهلها 90 مرة في كتابه الكريم! ولو كانت مذكورة مرة واحدة فقط لطرنا بها فرحا، فكيف والحال أنها مذكورة بهذا العدد الهائل!، وثمة غاية ثالثة أردتها؛ وهي أن يشفع لي الفقيد في الآخرة إذا جعَلَه الله من الشفعاء.

ومجال التعليقات مفتوح لأولاده ومعارفه وكل من أراد التعليق بشيء.

وهذا رابط الصدقة عن الفقيد في منصة إحسان: https://ehsan.sa/DonationCampaign/Details/1432834

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


10 آراء حول “الصابر

  1. رحم الله العم عالم الصديق الصادق لوالدي رحمه الله وجمعهما في الفردوس الاعلى من الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

    إعجاب

  2. فعلا كان العم ابو نعيم مثال فريد للمؤمن الصابر رحمه الله نسأل الله الكريم رب العرش العظيم ان يدخله فسيح جناته ويلهم ذويه الصبر والسلوان

    إعجاب

  3. اللهم ارحم والدي و ارزقه الجنة مع الابرار.

    كلماتك و كلام معظم اصدقائه عنه ، يدخل السرور لقلوبنا .

    شكرا يا شيخنا يا دكتور عبدالله

    إعجاب

  4. اللهم ارحم عم عالم الذي كان له الفضل لأبناء البخارية في كثير من الأمور والكل يعرفها ولا ينكرها.
    لا تنسوه من الدعاء

    إعجاب

اترك رداً على ابو منصور إلغاء الرد