الصحابي المتفكر

بسم الله، أظن أن لكل منا- معاشر المسلمين- صحابياً أو أكثر يشعر بمودةٍ خاصةٍ تجاهه! ربما لأنه يرى فيه تجسُّداً للكمالات والفضائل التي يميل بطبعه إليها أو يشعر بافتقاره إليها، لا بد أنك في يوم من الأيام سمعت قصصا لبعض الصحابة- ولو لم يكونوا من مشاهير الصحابة- فشعرت بالتميّز أو الانبهار بهذا الصحابي بالذات.

في هذه التدوينة أريد أن أحدثكم عن الصحابي الذي أُكِنّ له مشاعر خاصة، وذلك لتفوقه في عبادة التفكّر التي حث الله عليها في القرآن مراراً! ألا وهو الصحابي الجليل أبو الدرداء، علماً أن جميع ما سأورده من أخباره منقول من ترجمة الذهبي له في سير أعلام النبلاء.

ولقد كان أول انجذابي لهذا الصحابي المتفكّر: ما وصفتْه به زوجته حين سُئلتْ: (أيُّ عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار)، وجاء عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (تفكّر ساعة خير من قيام ليلة)، حين ذاك؛ انطلقتْ صيحة إعجاب في داخلي فرحاً أن وجدت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح الله عليه في عبادة التفكر على وجه الخصوص، ولعل هذا التفكر هو الذي أورثه الحكمة التي تقدم بها على غيره في ذلك الجيل، حتى قال عنه عليه الصلاة والسلام: (حكيم أمتي: عويمر)، وأظن أننا لو تتبَّعْنا العديد من أخبار هذا الصحابي الجليل فنسجد لسياقها علاقة بقضية التفكر!، ومن ذلك قصته الشهيرة في فتح قبرص، حيث يقول الراوي: لما فُتحت قبرس، مُرّ بالسبْي على أبي الدرداء، فبكى. فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله! قال: يا جبير! بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة، إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى، ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه! فانظر كيف تأمل الواقعة من جميع جوانبها حتى انتقل من مقام الفرح السائد بين الناس حيئنذ إلى مقام العظة والرهبة!.

ويبدو من سيرته أيضا أنه كان يخاف على عبادته الثمينة هذه من التأثر بما يكدرها، حيث جاء عنه أنه قال: (أعوذ بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟ قال: أن يُجعل لي في كل واد مال)، ولا شك أن كثرة الأموال وتنوعها كثيرا ما تشغل خاطر الإنسان وعقله، إذ يذهب به التفكير كل مذهب في كيفية الحفاظ على هذا المال وكيفية استثماره وغير ذلك من الهموم التي يعانيها أصحاب الأموال.

ويبدو أن بروزه في هذا المضمار لم يكن خافيا على الصحابة، حيث قال مكحول- وهو من كبار التابعين-: كانت الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر، وأنطقنا بالحق عمر، وأميننا أبو عبيدة، وأعلمنا بالحرام والحلال معاذ، وأقرؤنا أُبيّ، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل، ويلفت النظر في هذا السياق التمايز بين معاذ وأبي وابن مسعود وأبو الدرداء في مجال قد يظنه بعض الناس مجالا واحدا! وهو ما نسميه اليوم بالتخصصات الدقيقة ربما.

كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين. فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ، وأبو الدرداء، ولا يظنن أحد أنه كان يمارس تفكراته بمعزل عن العلم الشرعي- كما يمارسه بعض مدّعي التفكر اليوم- فقد كان مقرئَ دمشق وقاضيها وأحدَ رواة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر- على سبيل المثال- إلى قوله: (من أكثر ذكر الموت، قل فرحه، وقل حسده)، فهذا النص عنه دال على أنه قد امتثل أمر الحبيب عليه الصلاة والسلام بالتفكر في الموت والإكثار منه حتى جنى هاتين الثمرتين اليانعتين فأخبر الأمة بها.

ولعلي أختم هذا الحديث الرائق عن أبي الدرداء بقصة نفيسة له يقول فيها: (كنت تاجرا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام، جمعت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فتركت التجارة، ولزمت العبادة). فهذا رجل يعشق التركيز كما هو واضح، ولقد ذبت إعجابا بتعليق الذهبي رحمه الله على القصة حيث قال:
قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله، هو طريق جماعة من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصديق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكل سائغ، ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال.

ألا ليت الذهبي كان معنا حتى نقبل رأسه! إذ يقرر إمامنا بكل وضوح مبدأ الفروق الفردية، وكيف أقر الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم هذه الاختلافات بين هؤلاء القدوات واستوعب كل واحد منهم، ووجهه في مجاله المناسب له، مع وجوب الالتزام بفروض الأعيان على الجميع، مثل حقوق الزوجة والعيال!

اللهم اجمعنا بأبي الدرداء وأصحابه، وافتح علينا من عبادة التفكر كما فتحت عليه، واجعل رمضان فاتحة خير لنا في التفكر، آمين.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


رأيان حول “الصحابي المتفكر

  1. التفكر قيمة إنسانية كبيرة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده علاوة على كونها عبادة إذ أن المتفكر عادة يكثر من التأمل في مخلوقات الله وأقداره التي يقضي بها بين مخلوقاته من إنس وجن وأرض وسماء وسحب وأمطار وليل ونهار وغيرها

    وهي على كونها هبة فهي تستدعي الشكر لأنها تجر صاحبها إلى الإستدلال على الله والإيمان به ثم التفكر في قدرة الله وحوله وقوته

    وفي تقديري ليس شرطًا أن أجعل صحابياً من الصحابة رضوان الله عليهم قدوةً له لأنهم كما قال عنهم نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم أيهم إقتديتم إهتديتم

    فجميعهم قدوات والقدوة الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله

    قصص الأنبياء والصحابة والصالحين مؤثرة تجعل منا الأجيال الجديدة نبدو صغارا أمام عظمتهم ولكن لابأس في التقليد عسى أن نحذوا حذوهم ونصل مكانتهم

    إعجاب

اترك رداً على د. عبدالله بن ياسين بخاري إلغاء الرد