متفكر في الفراغ

في صغرك تعاني من الفراغ، وتملُّ منه، وتبحث عن أشياء تُزجي بها وقتَك، وتشغل بها نفسك…

ثم تكبُر، وتنشغل، فتحنُّ للفراغ، وتبحث عنه، وتقف على أطلاله، وتتمنى لو ملكت من الوقت ما يزيد على 24 ساعة في اليوم…

ثم يحدث ذات يوم أن تنفد بطارية جوالك دون وجود شاحن قريب، فينطفئ الجهاز وتدخل سجناً من الفراغ فجأة! فتمر بك الدقائق كالساعات، وتتلفتّ يمنة ويسرة، وتغرق في الفراغ، الفراغ الذي كنت تملؤه أثناء وجود الجوال بكثير من الأمور الفارغة…

الآن، وفي لحظة انطفاء الجوال لم يعد هناك من جليس لك سوى نفسك، لكنك تهرب منها، وتنأى عنها، وتشعر أنك غير قادر على التواصل معها، قرأت قديماً للأديب علي طنطاوي رحمه الله حول هذا المعنى، وكيف أننا صرنا غير قادرين على الجلوس مع أنفسنا ولو قليلا من الوقت، وهو الأمر الذي يدل على آفات نفسية وحياتية خطيرة، العجيب أنه قال هذا الكلام قبل زماننا هذا، الزمن الذي بتنا نقضي فيه ثلث أوقاتنا تقريبا نطالع شاشات أجهزتنا المحمولة، ولذلك أعتقد أن جموعا هائلة من الناس تعيش فارغة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنها مشغولة جدا من الناحية المادية الظاهرية.

أحيانا يحتاج الإنسان إلى الشعور ببعض الفراغ، في هذه الحياة العادِيَة اللاهثة، فراغ يشعره بأن أموره بخير، وأنه ليس عجلة دوّارة، وأنه يمكنه أن يتوقف بعض الأحيان ليلتقط أنفاسه، لا بأس بذلك، لن تتساقط النجوم، ولن تنقضّ الشُّهُب إذا فعل ذلك، وستمضي الحياة كما هي سنتها الكونية، فالفراغ احتياج! بما أني متخصص في حقوق الإنسان فسأبتدع حقا جديدا للإنسان على نفسه، وسأسميه: (الحق في الفراغ).

والعجيب أن هذه الحاجة إلى الشعور بالفراغ قد يُشبعها الإنسان أحيانا في لحظات، لحظات معيّنة رائقة يشعر فيها بالتضلع التام فيعود بعدها وقد التأم شمله، وزال شعثه، وفي أحيان أخرى قد يأخذ إجازة كاملة، ويبحث فيها عن هذه اللحظات التي وصفتُها، فتنقضي الإجازة دون أن يصل إلى هذا الشعور بالفراغ الذي يحتاجه!

في المقابل أحيانا تزيد نسبة الفراغ في حياة الإنسان حتى ليشعر أن حياته قد امتلأت بالفراغ!، فيحتاج إلى حزمة من الانشغالات تشعره بالمعنى!، بأنه مهم، بأنه مطلوب، بأن هناك مشاكل ستحصل في الحياة إذا قرر الانسحاب، فالفراغ معاناة!

هناك فراغ في الوقت، وهناك فراغ في النفس، ولا شك أن الخسائر في النوع الثاني فادحة، فادحة جدا، لأن النفس البشرية بدون عقيدة، وبدون قيم، وبدون علم بخالقها، وبوظيفتها في هذه الحياة، ومصيرها بعدها، ستتحول إلى وحش يلتهم صاحبه عاجلا أو آجلا.

على أية حال، هذه تدوينة من النوع الحر، أو المبعثر ربما، وأنتم! ماذا عنكم؟ وما هي مشاعركم تجاه الفراغ؟

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام: https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


أضف تعليق