أضابير البقرة 1

بسم الله، لئن أكثر الناس من الكلام عن البركات الهائلة في (تلاوة البقرة) فلا يزال هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن البركات الكامنة في (معاني) هذه السورة العظيمة.

إن في سورة البقرة أضابير يجب أن تُفتح، والأضابير جمع إضبارة، والإضبارة تعني: الملف أو الحزمة من الأوراق، فلتكن الإضبارة الأولى من أضابير البقرة عن الألم في حياتنا، وقد أكثر المفكرون والأدباء من الغوص في قضية الألم، والمعنى من وراء الألم، لكن حسبنا سورة البقرة الآن نستضيء بهداها في هذه المعضلة الشائكة.

يقول الحق سبحانه وتعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)

تفكر عزيزي القارئ في هذا النص وهو يتنزّل على الصحابة الكرام مخبراً لهم عن فرضية الجهاد عليهم، ثم انظر في هذه الصراحة اللافتة إذ تصف القتال بأنه (كره لكم)!

إنكم تكرهون القتال!، القتال بما فيه من آلام، بما فيه من أوجاع، بما فيه من دماء، بما فيه من أشلاء، بما فيه من فراق للأحباب، وترميل للنساء، وتيتيم للأطفال، وحرمان للوالدين من أبنائهم المحاربين، يقوم المقاتل المسلم فيتقلّد سلاحه، ويستجيب لإمامه، ويترك واحة الدنيا الغناء لساحات الوغى إعلاءً لكلمة الله وصيانة لحمى المسلمين، إن لم يكن هذا ثقيلا على النفس البشرية فما هو الثقل إذاً!

وإنك لتعجب من مكاشفة الوحي في هذه القضية، التي ربما يعجز معظم المسلمين عن مصارحة أنفسهم ولو في خلواتهم بها! هذا الجهاد في سبيل الله، الذي امتلأت دواوين الوحي بتعظيم صاحبه، حتى إن الفضيلة الواحدة من فضائله تكاد تحجب عين الشمس من بهائها وسنائها، هذا الجهاد تصرّح الآية الكريمة أنكم تكرهونه، تكرهون الآلام التي ترافقه، والأوجاع التي تجلِّله، من حين أن يخرج الشهيد مودعا لنا إلى أن تعود ملابسه وأغراضه الشخصية في صندوق، مرورا بذكرياتنا معه التي تشتعل في قلوبنا حتى تذوي الحياة فيها بعد عشرات السنين.

ثم تأتي الآية بالجملة التي تفتح أعظم أبواب الكون استغلاقا على أدباء البشرية ومفكريها المتألمين، الباب الذي لو فتح مثله على جوجول ودوستويفسكي لاستفاقوا من استغراقهم، (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم)، وقد لاحظتُ تكرار (لكم) في مواضعها الثلاثة في هذين السطرين، وما تحمله من تأكيد قوي على المتدبر لها، فكأنها تأخذ بتلابيب قميصه وتقول له نعم، أنت المقصود بعينك!، لا تتأول الآية وتظن أنك قد تكره شيئا ويكون فيه خير ومصلحة للمجتمع فقط أو للعموم، بل هو خير لك أنت بعينك، خير لمصالحك الخاصة قبل الآخرين، ونفس المعنى على الجهة المقابلة، فلا تتأول الآية وتظن أنك قد تحب شيئا لمصلحتك الخاصة ويكون شرا للعموم والمجتمع، بل المراد أنت بعينك!، ستحب أشياء لحد الجنون، وتتغنى بذكرها لحد الثمالة، وهي الشر المستطير لو وصلت إليه ووضعت يديك عليه!

كتب على بعضهم أن يصابر المرض، يصارعه في الليل والناس نيام، يحتفل الناس بأعيادهم ومناسباتهم وهو يئن في عالمه الخاص، قد اكتسى كونُه الخاص بأوجاع من كل حدب وصوب، تتبدل الأحوال من حوله كل يوم إلا أوجاعه وأنّاته، فهي الثابت الوحيد، فتأتي الآية لتخبره أن هذا المرض خير له! لا زلت مشدوها من حديث الصحابية التي كانت تُصرع، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لها بالشفاء، لكنه حثها على الصبر وملاقاة الله بمرضها ولها الجنة! فوعت مقصده وقالت: أصبر يا رسول الله، أي أن الشفاء لم يكن خيرا لها! لاحظ هنا أنها طلبت من أرأف الخلق بها وأحنّهم عليها! وأن زوال مرضها كان مرهونا بدعوةٍ منه عليه الصلاة والسلام لكنه لم يفعل، بل أعطاها الخيار فاختارت الأفضل وعلمتنا درسا في مفهوم الخير والشر!

وكُتِب على آخرَ أن يكابد الفقر، أن يذوق مرارة احتياج والده أو ابنه إلى العلاج فلا يجد مالاً لشرائه، فيشقى مرتين، مرة لمرضه، ومرة لعجزه عن جلب الدواء له، فتقول له الآية إن هذا الفقر خير له!

كتب عليك أن تذوق قبضة الظلم، أن يسحقك الظلم بقبضته فيهشمك لأجزاء متكسرة، فلا تملك العدة لدفعه، ولا السند لمقاومته، قد تخلى عنك الكل وهم شهود، هذا إذا لم يكن الظلم آتيا من أولى الناس بنصرتك وموالاتك، فتقول لك الآية إن هذا خير لك!

ثم إن جزءاً من الخلل الفكري عندنا في الموضوع يكمن في أننا نتطلب دائما فهم وجه الخيرية والمصلحة عاجلا غير آجل، فكأنها علاقة بين بائع ومشتري، لا بين خالق ومخلوق!

يشبه الأمر بلاهة طفلك ذي الخمسة سنوات وهو يتطلب منك أن تشرح له الحكمة والمصلحة من أي قرار تتخذه مخالفا رغباته، ومحال أن يفهم! ومن جرّب الأبوة يعلم جيدا أن هذا مستحيل، مستحيل في علاقة بين مخلوقين بينهما 25 سنة، فكيف بعلاقة بين مخلوق فان، وبين الأول والآخر والظاهر والباطن سبحانه، ولذلك قطع الله الآمال عن القدرة على الإدراك التام للحكم الإلهية فقال في آخر الآية (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، قد يتكشف الحجاب عن قضايا معينة هنا أو هناك، لكن يبقى الأعم الأغلب خارجا عن إدراك العبد حتى يوافي يوم المحشر، وهناك تتكشف الحقائق، ومن تأمل في الحياة- حتى من غير المسلمين أحيانا- فإنه يجد أن كثيرا من انتصارات الحياة وكنوزها كان المقابل لها هو الألم والمعاناة!

لا زلت أتذكر الحنق والانزعاج في داخلي تجاه أبي وهو يقتادني إلى تحفيظ القرآن حين ألحقني به وأنا في الثامنة من عمري، الآن أعود لتلك اللحظة فأقول: لقد كان هذا الإجبار من أجلّ ما أحسن به إليّ والدي ياسين رحمه الله.

ثم إن الخيرية التي نتكلم عنها قد لا تُظهر وجهها إلّا في الآخرة! حين تتمثل في منزلة علية في الفردوس ماكان العبد ليصل إليها بدون هذه الابتلاءات كما في الحديث، وما قيمة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كقطرة ماء بالنسبة للبحر كما جاء في التشبيه الدنيوي.

فإن قيل: وكيف أضمن أن ما أكرهه سيكون خيرا في حقي؟ فأنقل لك الجواب من في الحبيب عليه الصلاة والسلام إذ يقول: (عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ إنْ أصابَتْه سرّاءُ شكَر وإنْ أصابَتْه ضرّاءُ صبَر وكان خيرًا له وليس ذلك لأحدٍ إلّا للمؤمنِ) فاصبر إذاً وسلم أمرك لله، سواء فهمت أم لم تفهم، واجزم بحسن العاقبة!

أما عن الشطر الثاني من الآية (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) فقد كتبت تدوينة في الشر الكامن وراء أكثر الأمور التي يحبها البشر: المال، والجمال، والوظيفة المرموقة، في هذه التدوينة: غَوْصة الملهَم، وفيها شرحت العبقرية التالدة في مقولة عمر الخطاب رضي الله عنه إذ يقول: “ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره

ختاما: اللهم ارحم شهدائنا في الحد الجنوبي، وكل شهيد قاتل في سبيلك، وارزقنا الشكر في السراء والصبر على الضراء، آمين.

رابط الانضمام لمدونة متفكر على التيليجرام:https://t.me/mutafakker


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


أضف تعليق